الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 التمرد الفرنسي الالماني على اميركا ليس مجرد معارضة ظرفية بشأن قضية وحدانية ومحددة ـ الحرب الاميركية ضد العراق ـ انه بادرة متعاظمة تعكس حركة تحرر قومي ضد التوجه الامبريالي للولايات المتحدة تجاه اوروبا. وفي هذا السياق فإن الرئيس الفرنسي جاك شيراك انما يقوم بتجديد دور شارل ديجول، بينما يستلهم المستشار الالماني غيرهارد شرويدر المجد التاريخي لالمانيا بسمارك، ومن هذا المنظور فإن حالة التوتر المتصاعدة التي نراها الآن تتفاعل بين الولايات المتحدة والقوتين الاوروبيتين الكبيرتين، تعكس في الحقيقة اخطر صراع سوف تشهده الساحة الدولية في المستقبل القريب المرئي. الخلاف الاوروبي ـ الاميركي الحاد حول مصير العراق يعكس اذن أحدث حلقة في سلسلة من التمرد التاريخي الاوروبي الذي بدأ في اواخر خمسينيات القرن الماضي، واذا كان هذا التمرد يعكس هبة قومية اوروبية ذات طابع عاطفي الى حد ما، فإنه ليس بلا أسباب وعوامل موضوعية. وعندما قام شارل ديجول كرئيس لفرنسا بسحب كل القوات الفرنسية العسكرية من قيادة الحلف الاطلسي «ناتو» في عام 1966، لم ينظر اليه على الصعيد الشعبي في اوروبا الغربية كمجرد زعيم فرنسي يتميز بالوطنية والجسارة فحسب، وانما نظر اليه ايضا كبطل اوروبي للتحرر القومي. كان الحلم الاكبر الذي أرق ديجول الى ان رحل في عام 1970 هو ان تصير اوروبا الموحدة قطباَ دولياً ثالثاً على قدم المساواة مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ومن هنا كانت نظرته المستريبة الى «ناتو» ككيان عسكري تستغله الولايات المتحدة لفرض هيمنة استعمارية على البلدان الاوروبية، وعلى صعيد مواز كان يعترض بقوة على دخول بريطانيا عضوية «السوق الاوروبية المشتركة» لانه كان يدرك ان الشركات العملاقة الاميركية كانت تسعى لاتخاذ بريطانيا كمدخل لفرض سيطرة رأس المال الاميركي على اوروبا عن طريق شراء شركات اوروبية. وعلى صعيد ثالث كان الزعيم ديجول يتخوف من ان النفوذ التوسعي لرأسمال المال الاميركي سوف يجلب معه تلقائياً المزيد من النفوذ الاقتصادي الصهيوني الى الصناعات الاوروبية ولن تنسى الحركة الصهيونية العالمية صيحة اطلقها ديجول عام 1968 عندما اعلن «ان اليهود شعب طغياني». وبرحيل ديجول لم تنطفيء جذوة الطموح القومي في اوروبا رغم انها لم تشتعل بصورة درامية، فقد كان الهاجس الطاغي لأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع عقد التسعينيات من القرن المنصرم هو الأمن على خلفية الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي الرأسمالي والسوفييتي الاشتراكي. وعند انهيار المعسكر السوفييتي عند نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات وقع «سوء فهم» بالمعنى المسرحي الدرامي بين الولايات المتحدة ومجموعة الدول الاوروبية فقد اشعل هذا الحدث التاريخي نزعة هيمنة اميركية تقابلها نزعة تحرر اوروبية. لم يكد ينقضي عقد من الزمان على انهيار المعسكر الاشتراكي السوفييتي حتى وقع الصدام الحتمي المؤجل بين النزعة الاستعمارية الاميركية الجديدة والنزعة التحررية الاوروبية. وتمثلت نقطة الصدام في «الحرب على الارهاب». لقد خرجت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة من محنة «احداث سبتمبر» الزلزالية وقد عقدت العزم على استغلال هذه الفرصة من اجل استعمار العالم بأسره باسم «مكافحة الارهاب العالمي» وعندما طلبت ادارة بوش من دول الاتحاد الاوروبي الدخول معها في تحالف دولي ضد «الارهاب العالمي» في اطار «ناتو» لم تكن الحكومات الاوروبية قد تبينت ان ما تريده واشنطن في الحقيقة ليس اقل من «شيك على بياض». لقد ظنت دول اوروبا في مبتدأ الامر ان للحرب ضد «الارهاب» هدفاً محدوداً ومحدداً بعملية عسكرية ضد افغانستان للاطاحة بنظام طالبان وضرب معاقل تنظيم «القاعدة» هناك.. ومن ثم تكون مهمة «التحالف الدولي ضد الارهاب» قد بلغت نهايتها لكن هذا الظن اخذ يتبدد مع ازدياد الانتشار الاميركي عسكرياً واستخباراتيا ليشمل الفلبين واندونيسيا واليمن ومن ثم الى العراق ليشمل بعد ذلك ربما سوريا وايران. واخيراً تنبهت اوروبا الى ما يراد لها: ان تكون قواتها المسلحة جيش مرتزقة في خدمة أجندة تمكين الاميركيين في الارض. وربما تدخل «الحرب ضد الارهاب» صفحات التاريخ كحرب ضد العالم ليس لها نهاية مقررة سلفا.. لكن ستدخل التاريخ ايضا كمعلم بارز لتجدد حركة التحرر القوى الاوروبية على يد طليعة تتمثل في الثنائي الفرنسي الالماني. ولا يخلو الامر من مؤشرات ذات دلالة خاصة، فبينما كسب غيرهارد شرويدر الانتخابات الاخيرة في المانيا بشعار «لا للحرب ضد العراق»، فإن نخبة من علماء التاريخ الالمان يعكفون حالياً على اعادة كتابة تاريخ المانيا الهتلرية النازية من اجل «تصحيحه»!