الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 تبدو منطقة الخليج العربي في هذه الأيام أقرب ما تكون إلى حرب جديدة بما تحمله من ويلات وخسائر مادية هائلة، تضاف إلى الخسائر التي تكبدتها هذه المنطقة خلال حرب الخليج الثانية والحرب العراقية الإيرانية التي سبقتها. ومع استمرار الحشود العسكرية الأميركية والبريطانية واندفاع الولايات المتحدة باتجاه تشكيل تحالف غربي بحجة تجريد العراق من اسلحة الدمار الشامل التي تزعم حيازته لها، تزداد يوماً بعد يوم نذر العاصفة الجديدة التي يتم الاعداد لها في كل من واشنطن ولندن. ومع ان الولايات المتحدة تستخدم ذريعة تجريد العراق من اسلحة الدمار والشامل عنواناً لحملتها العسكرية القادمة، التي تحاول ربطها ايضاً بما تسميه بالحرب ضد الارهاب، إلا أن أي متتبع للسياسة الأميركية في منطقة الخليج لا يحتاج لكبير عناء لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء الحملة العسكرية الأميركية المتوقعة ضد العراق. والحقيقة أننا إذا أردنا أن نتفهم المرامي والأهداف الأميركية جيداً، فانه حري بنا أن نعود قليلاً إلى الوراء لنتابع السياسة التي انتجتها الحكومات الأميركية المتعاقبة تجاه هذه المنطقة الحساسة من العالم. ورغم ان اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الخليج يعود إلى زمن بعيد وان هذا الاهتمام قواه بشكل كبير اكتشاف الثروة النفطية بما تمثله من أهمية بالنسبة للاقتصاد في العالم، إلا أن هناك عوامل أخرى ساهمت ايضا في تسريع التوجه الأميركي واندفاع واشنطن القوي نحو هذه المنطقة. وفي هذه العوامل الانسحاب البريطاني في أوائل السبعينيات من الخليج وما تبعه من فراغ أمني وسياسي، بالاضافة إلى الأهمية العسكرية للخليج ضمن استراتيجية الدول الكبرى في ذلك الحين والتنافس الذي كان قائما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق خلال حقبة الحرب الباردة. ونلاحظ هنا انه حتى بداية السبعينيات لم تكن للولايات المتحدة استراتيجية متكاملة تجاه منطقة الخليج العربي، بل كان لها مجموعة من السياسات تتعامل بها مع دول المنطقة انطلاقا من سعيها الى تأمين المصالح النفطية مثل امتيازات التنقيب أو الاستثمار والتسويق، إلا انه بعد الانسحاب البريطاني من هذه المنطقة راحت الدوائر الأميركية الرسمية تدرس منطقة الخليج وتمعن في دراستها من كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي محاولة منها لسد الفراغ الأمني الذي خلفه الانسحاب البريطاني، اقترحت الدوائر الاستراتيجية الأميركية انشاء جهاز أمني اقليمي، خاصة وان تقدير هذه الدوائر هو ان الخليج سيكون بفعل الانسحاب البريطاني وبفعل الثورتين الاجتماعية والاقتصادية منطقة رئيسية لعدم الاستقرار، ولذلك رأت هذه الدوائر ان من مصلحة الولايات المتحدة ان تبقى آنذاك بعيدة عسكرياً عن الخليج وان تساعد فقط في اقامة جهاز أمني أقليمي ليكون له الدور الكبير في تشكيله، زد على ذلك ان تزايد اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد وخاصة العربي ساهم في زيادة الاهتمام الأميركي بمنطقة الخليج الذي يحتوي على أكبر احتياطي نفط في العالم. يضاف إلى ذلك أيضاً رغبة الولايات المتحدة في عدم استنفاد احتياطها النفطي الاستراتيجي واستهلاك أكبر قدر ممكن من النفط المستورد. وهكذا ومع التسارع في التطور الاقتصادي والصناعي الأميركي وجدت الولايات المتحدة نفسها بحاجة أكثر فاكثر للثروة النفطية العربية التي يتسابق عليها الغرب بشكل عام. ونلاحظ هنا مقابل حاجة الولايات المتحدة والدول الغربية الصناعية للنفط العربي ورغبة هذه الدول في امتصاص هذه الثروة التي تشكل المصدر الأهم للطاقة، توجد هناك مجموعة من القيود التي كانت تحد من قدرة الدول المصدرة للنفط على تلبية الطلب المتزايد، ولعل ابرز هذه القيود او العوامل هو تضاعف أسعار النفط بعد حرب عام 1973، حيث ارتفع سعر برميل النفط بشكل متسارع وقفز من ثلاثة دولارات حتى اربعين دولارا في أوائل الثمانينيات. زد على ذلك ان الأحداث اثبتت ان النفط في باطن الأرض هو ثروة مضمونة في أيدي اصحابها، في حين يبقى البترودولار سلاحاً في أيدي الدول الغربية أكثر مما هو ثروة بيد الدول المودعة. وإذا كانت هناك عوامل اقتصادية كثيرة تمنع الدول العربية النفطية من اغراق السوق العالمية بالنفط، فإن هناك عاملاً سياسياً ايضاً لا يقل اهمية وهو التزام هذه الدول بقدر ما بالقضية الفلسطينية، إذ أنه في الوقت الذي تبدي الولايات المتحدة والغرب عامة انحيازاً سافراً «لاسرائيل»، ترى الدول النفطية نفسها عاجزة عن تجاوز هذا الواقع وزيادة انتاج النفط الذي يصب في نهاية المطاف في مصلحة الولايات المتحدة والدول الغربية الصناعية التي تتسابق لشرب النفط العربي.وازاء هذا الواقع وأمام ضعف التضامن العربي وعدم وجود سياسة عربية واحدة في هذا المجال، سعت الدول الغربية وفي مقدمتها بطبيعة الحال الولايات المتحدة الى اقامة علاقات مميزة مع الدول المنتجة للنفط بهدف ضمان هذا الشريان الحيوي الذي يعد عصب الحياة الصناعية في يومنا هذا. ومع بروز العالم الثالث كقوة اقتصادية وسعي الدول المصدرة للنفط الى الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية ومحاولة الدول العربية استخدام النفط كأداة لتغيير نمط العلاقات الاقتصادية في العالم، اصطدم هذا التوجه بمعارضة الولايات المتحدة التي وجدت في ذلك خطراً على مصالحها الرأسمالية، ولذلك سعت إلى تعميق الخلافات أو نثر بذورها داخل منظمة أوبك حتى لا تستطيع دول المنظمة اتخاذ مواقف موحدة، كما ان خوف الولايات المتحدة من استفحال اعتمادها على اعتمادها على النفط العربي دفع بها وسعياً لمواجهة اي خطر نفطي كما حدث في عام 1973 إلى بناء خزانات كبيرة تحت الأرض لتخزين هذه المادة الحيوية. وتشير الاحصائيات الى انه حتى عام 1979 بلغت نسبة النفط المخزن نحو 92 مليون برميل، وهو رقم يقل كثيراً عن الطموحات الأميركية في هذا الشأن. والحقيقة التي لابد من التوقف عندها هنا هي ان الولايات المتحدة لم تكتف بمحاولات استنزاف الثروة النفطية في المنطقة، وإنما راحت تستخدم سياسة الترهيب والترغيب مهددة باحتلال آبار النفط واستخدام السلاح الغذائي. ويلخص موريس إدلمان، في ندوة عقدتها مجلة التايم ونشرت في الثالث والعشرين من ابريل عام 1979، الاسس التي ترتكز عليها السياسة الاميركية بقوله «لا جدوى من التحدث عن تمزيق الأوبك فهي إذا غابت اليوم ستعود إلى الوجود غداً، ولكن بامكان الولايات المتحدة ان تستخدم قوتها الشرائية الكبيرة في تحجيم قوة الأوبك». ويضيف إدلمان: إن الهدف يجب ان يكون تحويل المال من الأوبك إلى صناديق الخزينة الأميركية، وانه في حال قيام الدول المنتجة بقطع النفط عن الولايات المتحدة تستطيع هذه الأخيرة مصادرة الأموال الموظفة وارسال البوارج لحظر وصول المواد الغذائية إلى الدول التي تقطع النفط، فإذا قطعوا النفط عنا قطعنا عنهم الطعام! ويتابع إدلمان في الندوة ذاتها انه إذا تطورت المشادة فإن ذلك من مصلحة الولايات المتحدة لانها «ستبرح التصعيد» على حد تعبيره. ومع ان هذا الفهم الأميركي كان يجد الدعائم التي تقويه أبان الحرب الباردة وخوف الغرب من الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يسعى إلى اقامة الاحلاف في هذه المنطقة نظراً لادراكه بأهميتها الاستراتيجية، إلا أن هذه السياسة لم تتغير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بل زاد اهتمام الولايات المتحدة بهذه المنطقة، لاسيما وأنها أوضحت بعد انهيار الصرح السوفيتي القوة العظمى الوحيدة في العالم، ولذلك لم توفر الولايات المتحدة الفرصة التي قدمها لها الغزو العراقي للكويت عام 1990 لتدشن عصر الهيمنة الأميركية هذا في منطقة كانت ولاتزال ترى فيها أهمية كبيرة لمصالحها الحيوية. ومع ان التدخل العسكري الأميركي جاء في بداية التسعينيات من القرن الماضي، إلا أننا نستطيع ان نتلمس سعي الولايات المتحدة للتدخل العسكري في هذه المنطقة وغيرها من العالم في اعلان مبدأ كارتر في بداية عام 1980، الذي اجاز مبدأ التدخل العسكري لحماية المصالح الأميركية والذي رأى فيه الكثيرون تراجعا عن مبدأ نيكسون الذي اعلنه عام 1969 في خطاب القاه في قاعدة غوام تضمن مجموعة من الافكار والمباديء تؤكد على فك ارتباط الولايات المتحدة العسكري المباشر مع المشكلات الدولية وعدم استمرار الولايات المتحدة في دورها كشرطي في العالم، معتبراً ان هذا الدور ادى إلى تخبط الولايات المتحدة في ازمات اقتصادية وسياسية واخلاقية. ومع ان نيكسون دعا الى ابتعاد واشنطن عن الغوص في المستنقعات الساخنة، إلا انه في الوقت ذاته أكد دعم الولايات المتحدة للأنظمة التي تتحالف معها لحماية مصالحها بشكل غير مباشر، ولذلك راحت الاسلحة الأميركية تتكدس في الدول الديكتاتورية في اميركا الجنوبية وجنوب شرق آسيا واثيوبيا واسبانيا وبشكل خاص في إيران ابان عهد الشاه. ويمكن القول ان مبدأ نيكسون ارتكز على اساس الحد من الدور العسكري الأميركي المباشر في العالم، ودفع القوى المحلية لتتحمل جزءاً من عبء الدفاع عن الايديولوجية والمصالح الأميركية في العالم. وعلى الرغم من ان مبدأ نيكسون لم يغير الأهداف الأميركية في العالم، إلا ان بعض المحللين رأوا فيه انتصاراً للتيار الواقعي في الادارة الاميركية انذاك على التيار المتطرف الذي رفض الاعتراف بالهزيمة الأميركية في فيتنام والذي حمل المسؤولية في الهزيمة على القيادة السياسية معتبراً ان على الولايات المتحدة ألا تتخلى عن خيار استخدام القوة العسكرية لحماية مصالحها في العالم. ونلاحظ هنا انه رغم اختلاف التيارين الظاهري ألا أن التمييز بين مواقفهما بشكل واضح ليس سهلاً وذلك بسب العلاقات والمصالح المشتركة بينهما إذ انه طوال فترة السبعينيات من القرن الماضي استطاع التيار المتطرف ان يستغل بعض الأحداث الدولية لدفع الادارة الأمريكية الى اتخاذ مواقف متصلبة منها على سبيل المثال التهديدات الأمريكية الرسمية بغزو منطقة الخليج العربي واحتلال منابع النفط العربي بعد عام 1973. ـ كاتب فلسطيني