الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 بلغ معدل ما تنفقه الدول العربية على ألعاب الأطفال من الدمى والعاب الفيديو والالعاب الرياضية نحو مليار دولار حسب آخر احصائيات عام 2002م. وقد اشار جيف ديكنسون المدير الشريك في شركة «ايبوك ميسي فرانكفورت» للمعارض الى ان معدل الانفاق على الدمى والعاب الفيديو لكل طفل في منطقة الشرق الاوسط يبلغ نحو 263 دولاراً في السنة. مما يعد ثاني اعلى نسبة في الانفاق على الالعاب في العالم بعد أميركا الشمالية. كما اضاف قائلا: «ان منطقة الشرق الاوسط تحوز على اكبر نسبة في العالم لعدد محلات البيع بالمفرق «التجزئة» للألعاب مقارنة بعدد السكان. دلالات مثل هذه الاحصائية دون شك خطيرة وتستدعي الوقوف امامها طويلا حتى نعرف الى اين تمضي الرياح بالجيل الجديد، وما مدى قدرة هذا الجيل على اتخاذ مواقف ايجابية من عروض الالعاب الالكترونية المختلفة التي ما ان تستقر في الاسواق حتى تلتقطها الايدي الصغيرة وتسرع بها الى البيوت، ومشاعر الغبطة والشعور بالظفر تملأ كيانهم، وتغريهم بمزيد من البحث الدؤوب لاكتشاف الجديد من هذه البرامج عديمة الجدوى والاثر. ان الولع بهذه الالعاب، وادمان التسلية بها، والاستغراق في الجلوس امامها الساعات الطوال من شأنه ان يكرس عادات سلوكية سيئة، ويشيع حالة من الفتور الذهني، والانصراف عن التفكير في القضايا الاكثر اهمية مما ينعكس سلبا على شخصية الفتيان والفتيات، ويهمش من وجودهم وفاعليتهم في المحيط الاسري والاجتماعي اضافة الى ضياع الوقت، وسيطرة الاهتمامات الضعيفة على عقول الجيل الجديد، تعكس التربية المتسيبة والعاجزة عن تكوين قناعات داخلية تحمي المراهقين والمراهقات من الجنوح نحو الخطأ والانحراف حالة من الفوضى في اختيار نوعية برامج الالعاب نتيجة لعدم وجود ضوابط ذاتية تمنع هذا الفتى وذاك من اقتناء البرامج التي تحوي صوراً مخلة بالآداب، ومشاهد تجرح الحياء، وتقدم انماطا سلوكية فجة تصطدم مع منظومة الاخلاق والقيم المتعارف عليها في المجتمع. والثابت ان غياب التربية الناقدة التي تؤسس في الطفل القدرة على اصدار احكام مستقاة من مباديء المجتمع، واخلاق الامة على كل ما يرى ويسمع يفقده في المستقبل القدرة على التمييز بين الحسن والقبيح من الاقوال والافعال، ويصيبه بالعجز عن تكوين رؤية صحيحة للأفكار والشعارات التي ترفع من هنا وهناك. واخطر ما يترتب على غياب الحس الناقد لدى الجيل الجديد انهم يتحولون الى مجرد جمهور سلبي يتأثر ولا يؤثر، وينفعل ولا يتفاعل، ويستقبل، ويعيد تقديم تلك الافكار من جديد دون ان يرى لنفسه دوراً يسحب البساط من تحت اقدام الفكر الدخيل، ويدفعه للتعرف على جوانب اخرى في الحياة اكثر فاعلية واجدر بالمحاكاة. وهكذا تنتفي خيارات الجيل الذي افتقد الى وجود بنية ثقافية تحتية تهيمن على تفكيره، وتشرف على مسارات عقله، وتعرض عليه احداث الحياة كما هي من غير تزويق او ابهار. وحين تنتفي تلك الارضية المعرفية يصبح الشباب على ارض رخوة تتمايل بهم يمينا وشمالا، وكلما حاولوا الثبات انزلقوا اميالاً في الارض المتحركة حيث لا نجاة او امان. ان الاسئلة المرة التي تفرض نفسها بوضوح شديد: الى متى يظل هذا النشء الحائر يدور في مثل هذه المتاهة التي تسببت عوامل كثيرة من دخوله فيها؟ الى متى تظل البدائل شحيحة، وعاجزة عن المنافسة واستثارة اعجاب الفتيان والفتيات؟ واذا ما ظلت تكنولوجيا الالعاب في ايدي الاخرين الى المدى الطويل فكم جيل سيتخرج من هذه المدرسة العبثية التي تأكل الوقت، وتأتي على العقل، وتضعف الشخصية؟ ألهذه المشاكل المتراكمة حلول، ام ان الاستسلام للطوفان اصبح خيار امة بأكملها؟!