الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 «أيها البشر.. إني جميلة كحلم نحت من صخر وهذا صدري الذي من أجله ضحّى أناس كثيرون إنما صنع ليلهم الشعراء الحب عندي قلب يجمع بين نصاعة الثلج وبياض البجعة وإني أتربع على عرش اللازورد كأبي الهول ذي الأسرار وإني لا أعرف البكاء ولا الضحك وعندي لأفتن العشاق مرايا صافية تزيد كل شيء جمالاً هاته المرايا هي عيناي الواسعتان اللتان تشعان صفاءً أبدياً». هكذا جعل الشاعر الفرنسي «شارل بودلير» المرأة تعبّر عن نفسها. و«بودلير» صاحب الديوان الشهير «أزهار الشر» له مع المرأة التي يتحدّث عنها بهذه اللغة الجميلة حكاية مختلفة بدأت من أمه «كارولين ارشنبو ديفيس» التي أحبها في طفولته حباً يقرب من العبادة، ثم عاد ليحقد عليها عندما تزوجت بعد عام واحد من وفاة أبيه، وكان يومذاك في السادسة من عمره، فلم يسامحها اطلاقاً، وترك ذلك في نفسه أثراً عميقاً، ثم راح يبحث عن حياة الظلام لأنه كان يريد لنفسه الشقاء والألم اللذين وجدهما لدى خلاسية سوداء في شبابه تدعى «جان ديفال» قضى معها عشرين عاماً من الكآبة. يتحدث «بودلير» في مذكراته عن حياته معها فيقول: «لقد أصبحت جان ديفال عقبة في طريق سعادتي. كيف يعيش الإنسان مع إنسان آخر يهتم بشئونه؟ إنها لا تعدّني غير خادمها، ولا تستطيع أن تتفوه بكلمة واحدة في الأدب أو السياسة، وإنها لتلقي كل أوراقي للنيران لو أصابت من ذلك مكسباً». وفي جان ديفال وجد بودلير نموذجه الذي يستطيع أن يصور له تفاهة الحياة وبشاعتها التي يريد أن يعبر عنها. هكذا يقول محللو أدبه. وبين يدي هذه المرأة كتب ديوانه «أزهار الشر» الذي أحدث ضجة وهزّة في البيئة الأدبية يوم أن صدر عام 1857. لكن هذا الديوان رفع شأن بودلير ونشر اسمه، وقد كشف فيه النقاب عن نفسه المتوزعة بين حب الفضيلة والميل غير المرغوب للرذيلة. ولمّا لم يجد بودلير في حبه لجان ديفال ما يرضيه، أحب امرأة أخرى حباً مخالفاً للحب الأول تمام المخالفة. وكانت حبيبته هذه المرة ممثلة مستقيمة طيبة تدعى «ماري دوبران». وقد أحبها حباً بريئاً وعطف عليها عطفاً خالصاً. لقد ظل بودلير طوال حياته يبحث عن الحب الممزوج بالعطف ولكنه فشل في العثور عليه، فترك لمحبي الشعر هذه القصائد الجميلة، وترك لنا صورة أمه الحلوة، وصورة السمراء الشريرة فيها. تقول مي علوش معدّة كتاب «الملهمات» في مقدمة الجزء الثاني من كتابها الذي استقصت فيه الملهمات في الشعر العربي القديم والحديث والشعر الأجنبي: «إني أراهُنَّ أكثر قيمة من الأديبات والشاعرات.. إذ أن قوة الخلق والإبداع عندهن أقوى مما هي عند هاتيك.. لذلك، يجدر بنا أن نعطيهن بعض الاهتمام وبعض الجهد. لقد أهملهن طويلاً المشتغلون بتاريخ الأدب، وأرى إنه آن الأوان لنضع خطوطاً أولى لحياتهن، عسى نستطيع في المستقبل، أو يستطيع غيرنا التعريف بعدد أكبر منهن.. ثم إني كدأبي دائماً أبحث عن الجذور وأرجع للينابيع، وهل من نبع أصفى وأروى للغليل من نبع الإلهام؟! الملهمات هن حقيقة، وحقيقة رائعة، حقيقة ذات عبق وسحر، فلماذا نتناساهن؟ لماذا يذكرهن الأدباء بحياء وكأنهن أسطورة غير ثابتة الجذور، وقد كن مثل جميع الناس من لحم ودم، عشن بين مرابعنا وفي أكنافنا؟!». ثم تمضي لتذكرنا بأسماء الملهمات في الشعر العربي القديم، فتأتي على ذكر ليلى وعبلة وبثينة ودعد وفاطمة وسلمى وميّ ونُعْم ولبنى وعزة وعفراء وورد واعتماد وولادة والنوّار. ثم تكمل القائمة بأسماء ألهمت شعراء العصر الحديث فتذكر لنا ميّ ملهمة جبران، ورقية ملهمة الشاعر الفلسطيني أبي سلمى، وأم كلثوم ملهمة أحمد رامي، وأديل ملهمة الأخطل الصغير بشارة الخوري التي كنّى عنها باسمي هند وسلمى، ولمياء ملهمة الشاعر القروي، وسلمى ملهمة إيليا أبي ماضي، ولبيبة ملهمة بدر شاكر السيّاب التي أشار لها في شعره باسم «لباب» ولميعة التي أوحت له بأروع قصائده «أنشودة المطر» وسارة ملهمة العقاد، وزازا ملهمة إبراهيم ناجي. وأخيراً تعرِّج بنا ميّ علوش على عدد من الملهمات في الشعر الأجنبي فتحدثنا عن بياتريس ملهمة دانتي، وماتيلدا ملهمة بابلو نيرودا، ومنوّر ملهمة ناظم حكمت.. لتتوالى علينا الأسماء: إلسا، وجولي، ومارغريت، وآنا، وماري، وناتالا، وماريون، ونينون، وايزا دورا، وجان، واليزابيث... وغيرهن. وللملهمات قدّم الشعراء أجمل ما عندهم من قصائد، وقدّموا لهن أطواق الياسمين.. فهذا فؤاد الخشن يكتب قصيدة «سوار الياسمين» التي جعلها عنواناً لمجموعته الشعرية، ويقدّمها لزوجته وابنة عمه «أديل» التي يسميها في الاهداء «لادا» قائلاً: «إلى المعصم الزنبقي البض حيث تلألأ سوار الياسمين في ليلة مقمرة».. ثم يكمل شعراً: من تثيرين بها؟ من توقظين؟ نظرة في عمقها جرح السنين! ولمن في المعصم الحلو، سوار الياسمين؟! ولمن غمّازة ضمت على فيء الحنين؟! ولمن أنت من الناس؟ ترى، من تسعدين؟! أما ملهمات شاعرنا الكبير نزار قباني فحدّث عنهن ولا حرج، إذ يخال للمرء أن لكل قصيدة من قصائده ملهمة خاصة، وهو الذي يقول: «من كل امرأة تعلمت كلمة من كتاب الحب. من الدمشقية تعلّمت الوداعة وانكسار الجفن، ومن العراقية تعلّمت الوضوح والكبرياء، ومن الفرنسية تعلّمت الخبرة، ومن الصينية تعلّمت الحكمة، ومن الانجليزية تعلّمت العمق، ومن الاسبانية تعلّمت العنف، ومن اللبنانية اكتسبت خبرة الفينيقيين في تغيير السفن وتغيير المرافيء». وفيما عدا زوجته بلقيس التي قال فيها الكثير قبل مرثيته الرائعة، فإننا لا نعرف أيّاً من ملهماته، كما أننا لا نعرف تلك التي قدّم إليها «طوق الياسمين» الشهير ذاك الذي خلّده في قصيدته المعروفة بهذا الاسم، تلك التي يقول مطلعها: شكراً.. لطوق الياسمين وضحكتِ لي.. وظننتُ أنكِ تعرفين معنى سوار الياسمين يأتي به رجلٌ إليك.. ظننت أنكِ تدركينْ.. وجلستِ في ركن ركينْ تتسرحينْ وتنقّطين العِطْرَ من قارورةٍ وتدمدمينْ لحناً فرنسيَّ الرنينْ لحناً كأيامي حزينْ وأياً كانت الملهمات.. وأيّاً كان حظهن من الجمال والذكاء والطيبة والرقّة.. فقد أوقدن جذوة الحب والشعر والفن والإبداع لدى أولئك الذين تيموا بهن فحلّقوا في سماء الإبداع ليخلِّفوا لنا كل هذه الروائع. عندما شاهد الفيلسوف الألماني «نيتشه» صديقه «بول ريه» بصحبة امرأة بشعة تدعى «لو اندرياس سالومي» انجذب إلى كلامها وأفكارها، وقال لها: «أي نجمة سعد رعت لقاءنا هذا»!.. لكنها تركته وحيداً في محطة قطار لايبزغ وسافرت لتلتقي من بعده بـ «ريلكة» و«فرويد» وتمارس عليهما سحرها! أيتها الملهمات.. رفقاً بنا.. فما نحن إلا بشر.