الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 أقل ما يمكن ان يقال عن البيان المشترك الصادر يوم الخميس في اسطنبول عن ست دول اسلامية بينها اربع عربية هو انه غير مفهوم، وبهذه الصفة السالبة فان الغرض المقصود من اجتماع ممثلي هذه الدول على مستوى وزراء الخارجية، ربما يدخل في تصنيفات «العلاقات العامة» لا التحرك الدبلوماسي، اي ان حكومات هذه الدول ارادت اعطاء انطباع لشعوبها بأنها تتحرك في ظروف الفوران الدولي بشأن المسألة العراقية. لقد كان المفهوم من خلال تصريحات المسئولين في هذه الدول الست قبيل انعقاد اجتماع اسطنبول انها تريد الاسهام في الجهود الدولية المتصاعدة لمنع وقوع الحرب الاميركية المحتملة ضد العراق، غير ان البيان المشترك خلا من اية اشارة الى الولايات المتحدة وبدت لهجته الغالبة وكأنه يحمل المسئولية عن الحرب لبغداد لا لواشنطن. باستثناء مصر فان الدول الخمس الاخرى كلها تقع في الجوار العراقي المباشر، بمعنى ان لكل منها حدودا جغرافية مشتركة مع العراق، وهذه الحقيقة تجعل هذه الدول الاكثر تأثرا اذا شنت الحرب من حيث نشوء تداعيات متعددة ومعقدة، من استقبال اعداد ضخمة من اللاجئين وتوقف التبادل التجاري مع العراق بالاضافة الى احتمالات الاضطراب السياسي الداخلي. وقد تتخذ بعض هذه التداعيات منحى خطيرا جدا يتمثل في قيام دولة كردية مستقلة اذا اسفرت الحرب عن انسلاخ المنطقة الكردية في الشمال العراقي مما يدعو الاقليات الكردية الاخرى الى الثورة، فمن بين الدول الست الموقعة على بيان اسطنبول هناك دول ثلاث ـ تركيا وايران وسوريا ـ توجد بها أقليات كردية، وهذا لن يعني بالطبع ان التداعيات التي قد تصيب الدول الثلاث الاخرى ـ السعودية ومصر والاردن ـ سوف تكون اقل وطأة رغم انها قد تكون تداعيات من نوع آخر. بناء على هذه المعطيات فان هذه الدول الست هي المعنية اكثر من غيرها بأمر العراق والحرب، وبالتالي هي التي ينبغي ان تكون الاحرص من غيرها على منع وقوع الهجوم الاميركي المحتمل على العراق، حتى اذا اسقطنا من الحساب اعتبارات اخرى كالتضامن الاسلامي و «الدفاع المشترك» العربي. لذا كان غريبا ـ وغير مفهوم ـ ان توجه هذه الدول نداءها بشأن تجنيب المنطقة ويلات الحرب المرتقبة الى العراق وليس الى الولايات المتحدة. لقد كان محور البيان دعوة الى العراق «لضرورة التعاون الكامل مع المفتشين الدوليين والعمل على طمأنة المجتمع الدولي بأنه لا يملك اية اسلحة محظورة وتقديم كافة الادلة والبراهين لاثبات ذلك». ان وجه الغرابة هنا هو ان يقال مثل هذا القول بشأن العراق بعد ما يقارب الشهرين من عملية التفتيش الدولي عن الاسلحة وتعاون السلطات العراقية مع فرق التفتيش وتمكينها من القيام بنشاطها بحرية تامة، وبما ان رئيس التفتيش الدولي هانز بليكس يطلب تمديد عملية التفتيش لمدى شهور عديدة مقبلة، فانه كان الاجدر بالدول الست ان تؤيد طلب رئيس التفتيش بقوة، لان من شأن الامتداد الزمني للنشاط التفتيشي الدولي تأجيل الحرب لمدى شهور عدة على الاقل، بالاضافة الى توفير الوقت الكافي للتوصل الى نتائج دقيقة بشأن امتلاك او عدم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. ولو اتجه البيان المشترك صوب ضرورة تلبية طلب رئيس المفتشين لكان من المنطقي ايضا ان تشجب الدول الست تعجل الولايات المتحدة امر الحرب قبل اعطاء المفتشين الفرصة الزمنية الكافية للتوصل الى نتائج نهائية. لقد حث البيان المشترك مجلس الامن الدولي على بذل الجهد اللازم «لايجاد حل سلمي» للأزمة العراقية. هذا ايضا غير مفهوم، لانه توجد بالفعل صيغة لحل سلمي استحدثها مجلس الامن الدولي: صيغة التفتيش المتأني في الاراضي العراقية بموجب قرار المجلس رقم 1441 لكن المشكلة التي يواجهها الان مجلس الامن والعراق والعالم تتمثل في ان هناك دولة عظمى تستهدف عرقلة هذا الحل في تلهفها الى شن حرب ضد العراق بلا أدلة تسند هذا التلهف. لقد كان الاحرى بالدول الست ان تشجب هذا المسلك الاميركي وان تشجب الدعوة الى الحرب وان تعلن للعالم صراحة انها تقف ضد خيار الحرب كما فعلت فرنسا والمانيا وروسيا والصين من حيث ان الحرب على العراق في هذه الحالة سوف تكون عدوانا صريحا ومن حيث ان هذه الدول الست تحديدا سوف تكون موعودة بتداعيات عديدة في حالة اندلاع الحرب فعلا. واذا كان بيان اسطنبول قد خلا من اي ذكر للولايات المتحدة فانه ايضا لم يأت على ذكر اسرائيل. فما دامت المسألة العراقية مطروحة على النطاق الدولي الرسمي من خلال اسلحة الدمار الشامل، فانه كان جديرا بالدول الاسلامية الست ان تضمن بيانها دعوة الى اخلاء منطقة الشرق الاوسط كلها من هذه الاسلحة لتكون الدعوة على هذا النحو اشارة ضمنية الى الدولة اليهودية.