الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 تشهد الساحة الإسرائيلية، هذه الأيام، معركة انتخابية هي الخامسة من نوعها، منذ بدء عملية التسوية في مطلع التسعينيات، وقد تناوب على رئاسة الحكومة فيها بعد اسحاق شامير، كل من اسحاق رابين (1992 ـ 1995) وبنيامين نتانياهو (1996 ـ 1999) وايهود باراك (1999 ـ 20001) وأخيرا ارييل شارون (2001 ـ 2003)، هذا دون أن نذكر الفترة التي تولى فيها شيمون بيريز رئاسة الحكومة بعد اغتيال رابين (أواخر 1995) لفترة انتقالية استمرت أشهرا محدودة. طبعا يمكن الاستنتاج من ذلك أن الكيان الصهيوني المصطنع يعيش أزمة استقرار سياسي، على خلفية عملية التسوية، والخلافات بين التيارات الإسرائيلية بشأنها، وهذا صحيح إذ أن التسوية بالنسبة لإسرائيل وللمجتمع الإسرائيلي، تختلف عن التسوية التي تعقدها أية دولة عادية أو أي مجتمع طبيعي، مع دول أخرى، فالتسوية هنا تعني تحديد حدود إسرائيل الجغرافية والسياسية والبشرية، بمعنى أنها ليست مجرد تسوية خارجية وإنما هي تشمل إعادة تعريف إسرائيل لهويتها وحدودها ودورها وهذا يتطلب منها مراجعة منطلقاتها الصهيونية ومبررات وجودها، في وقت هي لم تنضج فيه بعد لتسوية هذا الأمر. تمويه التناقضات ولكن ما يجب ملاحظته أيضا، وإضافة إلى ما تقدم، أن إسرائيل تحاول في الانتخابات المتكررة تحويل ضعف الاستقرار السياسي لديها إلى عامل قوة بالنسبة لها على المستويين الداخلي والخارجي، إذ انها من خلال ذلك تبرر، أولا، تملصها من الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية؛ وثانيا، فهي تصدّ عبر ذلك كل الضغوط الدولية التي تتعرض لها بحجة عدم قابلية المجتمع الإسرائيلي للتسوية، بسبب حاجته للأمن وللضمانات الدولية؛ وثالثا، فهي تضفي على ذاتها مسحة ديمقراطية، وتقوي أوضاعها الداخلية في تنظيمها لخلافاتها في إطار العمليات الانتخابية؛ ورابعا، فهي تحرم العرب من امكان استثمار تناقضاتها الداخلية. مثلا، ومنذ بداية عملية التسوية، في مطلع التسعينيات، ظهر المجتمع الإسرائيلي بوصفه عاملا مؤثّرا في تحديد توجهات حكومات إسرائيل، وقد تمثّل ذلك ببروز مجموعات ضغط عديدة من داخل الأحزاب ومن خارجها، للتأثير على القرار السياسي، على رغم أن هذه المجموعات بدت متضاربة المواقف والأهواء. وقد دعمت هذه القوى وجودها بسلسلة من التحرّكات والمظاهرات الكبيرة، كان من أبرزها مظاهرة القوة المعارضة للتسوية، في تل أبيب أواخر العام 1995، والتي شهدت حادث اغتيال رئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحاق رابين، على خلفية توجه حكومته للانسحاب من أراض في الضفة الغربية المحتلة، وقد وصل الأمر بالحكومات الإسرائيلية(سواء التي يقودها العمل أو الليكود)، إلى حد التعهّد بإجراء استفتاء شعبي لحظة التوصل إلى اتفاق تسوية نهائية، على المسارين الفلسطيني والسوري! بالطبع لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أن ثمة إيحاء بأن كل ما يجري في إسرائيل هو مجرد مناورة أو توزيع للأدوار في مسرحية معدّة سلفا، كما يعتقد البعض أحيانا، فالتناقضات والتعارضات الإسرائيلية حقيقية وملموسة، وهي تناقضات عميقة ومعقدة، ولكنها أيضا مستوعبة في إطار المعادلة السياسية السائدة، وفي ظل عملية تداول السلطة والديمقراطية الداخلية. والمسألة الأساسية هنا أن الدولة الإسرائيلية ليست فقط قادرة على التحكّم بتناقضاتها، وإنما هي قادرة، أيضا، على حرمان العرب من الاستفادة منها. وقد وصل الأمر بإسرائيل إلى درجة توظيف هذه التعارضات والتحركات الداخلية، بما يخدم موقفها التفاوضي، إن باستخدامها لبلورة حال من الإجماع الإسرائيلي، على الخطوط التي ينبغي التوقّف عندها، أو باعتبارها إياها شكلا من أشكال التفاوض والضغط غير المباشرين، على الأطراف الأخرى. لذا عملت التيارات الإسرائيلية، طوال المرحلة السابقة، على الاستفادة من هذه التحركات، حينا لتأكيد شرعيتها وإثبات شعبية توجهاتها، وحينا آخر لابتزاز الأطراف العرب المعنيين بعملية التسوية، بالتلويح بأنها لا تستطيع أن تدفع أي «ثمن» مقابل هذه التسوية! ومعنى ذلك أنه ينبغي على المعنيين والمهتمين في الساحة العربية رؤية هذه اللوحة بجانبيها بدلا من التسلي، كما في كثير من الأحيان، بالحديث عن ضعف الاستقرار السياسي في إسرائيل والتعويل عليه، إذ ان ضعف الاستقرار هذا باتت إسرائيل تعوض عنه بهذه الحيوية السياسية في مجتمعها وبهذا الحراك السياسي في الإطارات الحزبية العاملة فيها، وهو في الواقع ما تفتقده الساحة العربية كثيرا، في ظل ضعف المشاركة السياسية والمؤسسات الديمقراطية. كما يفيد ذلك بأن المعنيين في الساحة العربية مطالبون بمراجعة أحوال الساحة العربية لاسيما لجهة تفعيل المشاركة السياسية في المجتمعات العربية حتى تتحول هذه المجتمعات إلى قوة فاعلة في مجمل العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. الجانب الآخر وواقع الأمر، مع الأسف، أن ثمة فارقاً كبيراً في علاقات التفاعل والمشاركة والتأثير بعملية التسوية، بين المجتمع الإسرائيلي من جهة، والمجتمعات العربية من الجهة المقابلة، وهنا ينبغي الاعتراف، وبمرارة، بأنه مقابل الدرجة العالية من التفاعل والمشاركة والمجادلة، التي تجري لدى الإسرائيليين، ثمة حال مخيفة من الركود والقلق والسلبية في المجتمعات العربية. فالمشهد على الجانب الأول يعجّ بالمجادلات والتحرّكات الصاخبة، ومحاولات التأثير في القرارات، بينما المشهد على الجانب المقابل يكاد يخلو من أية تحركات أو محاولة للمشاركة في صوغ القرارات المستقبلية، (ماعدا المظاهرات والمهرجانات) وهذا الوضع، كما بينت التجربة، هو عامل قوة لإسرائيل وعامل ضعف للجانب العربي. في المحصلة فإن مشهد الصراع التفاوضي ـ السياسي على الجانبين المقابلين لا يبدو متوازنا، فإسرائيل تسخّر كل وسائل الابتزاز لديها، وتأتي إلى طاولة المفاوضات والى الحلبة السياسية بكامل جعبتها وبأوراق القوة لديها، محضّرة خلفية المسرح التفاوضي ومشركة مع المفاوضين، كل فئات المجتمع وكل ألوان الطيف السياسي فيها، إلى درجة يبدو معها أن جمهور المستوطنين المتطرفين الذين لا يتجاوز عددهم بضع عشرات الألوف يتحكمون في عملية التسوية على المسارين الفلسطيني والسوري، في حين أن عشرات الملايين من العرب لا يجدون هامشا للتعبير عن مواقفهم. المهم أن عملية التسوية، والتحديات التي تعترض العرب اليوم في مختلف المجالات، ساهمت في انكشاف الوضع العربي، على كافة الأصعدة، كما على المستويين الرسمي والشعبي، في مواجهة الخارج، ما يؤكد أهمية مراجعة العرب لأوضاعهم الداخلية ولعلاقاتهم البينية، في آن معا، إذ بيّنت مجريات هذه العملية بأن بقاء الأحوال السائدة، على هذين الصعيدين، سيزيد من خسائر العرب ويقلّل من فرص نجاحهم في مواجهة التطورات والمتغيرات الدولية السياسية والاقتصادية السائدة، ومن ضمن ذلك، بالطبع، مواجهة الشكل الجديد الذي سيتمظهر به التحدّي الإسرائيلي في المنطقة. وفي الواقع فإن الزمن يفعل فعله في كل المجالات، وليس أمام العرب خيارات كثيرة، فإما الخضوع للابتزازات الإسرائيلية (الأميركية أيضا)، وبالتالي تمكين إسرائيل من فرض املاءاتها في رسم الخارطة السياسية والاقتصادية للمنطقة، وإما الاتجاه بشكل جدي نحو إعادة بناء الحياة السياسية العربية، على قاعدة المشاركة والديمقراطية والتعددية والمصالح الاستراتيجية العربية، لعلّ ذلك يقلّل من الخسائر التي يتكبّدها العرب في ظلّ هذه التسوية الجائرة، وفي ظل التحديات الراهنة، بانتظار بروز عناصر وتحولات جديدة على الصعيدين الدولي والإقليمي. وذلك بدلا من الاستلاب والحيرة اللذين يحكمان الموقف السياسي العربي بين انتخابات إسرائيلية وأخرى في انتظار الذي يأتي أو الذي لا يأتي؟ ـ كاتب فلسطيني