الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 «ان الهدف النهائي لاستراتيجيتنا الشرق أوسطية هو الانتقام من ايران باعتبارها بلداً ارهابياً وأكثر الدول اثارة للمشاكل في محور الشر»! هذا الكلام جاء على لسان الكولونيل الأميركي هيغ وورث وهو يتحدث إلى الاذاعة البريطانية الـ BBC بتاريخ 21/1/2003 والذي يضيف من جانب آخر من حديثه فيقول: «عندما نحيِّد العراق فإن محاصرة ايران ستكون قد اكتملت، وعندها سيحين الوقت لحزب الله وكل الارهابيين الخطرين الآخرين الذين أوجدتهم ودعمتهم هذه الدولة المتوحشة والخارجة عن القانون منذ العام 1979م ان يدفعوا الثمن»! عندما نضع هذا التصريح إلى جانب تصريح سبقه لمسئول أميركي سابق تحدث عن الموضوع نفسه لنخلص إلى القول: «ان العراق هدف تكتيكي وان السعودية هي هدفنا الاستراتيجي ومصر هي الجائزة الكبرى»! عندها استطيع ان أفهم وأستوعب ما قاله أحمد طالب الابراهيمي وزير الخارجية الجزائري الأسبق وهو يحاضر في «جنادرية» المملكة العربية السعودية حول «العرب والمسلمون في الاعلام الغربي»، حيث قال: «ان هذا المخزون من الحقد والكراهية الذي انفجر ضد العرب والمسلمين بعد احداث 11 سبتمبر رغم مأساويتها ليست سببه هذه الاحداث التي كان يمكن التعامل معها بطريقة مختلفة تماماً، بل سببها أنهم يبحثون عن عدو مزعوم لم يجدوه إلا في الاسلام، وان المستهدف هو أسس تلك الحضارة التي أنشأها العرب بالتعاون مع شعوب اخرى مثل الفرس وغيرهم من الشعوب المتمدنة تحت راية الاسلام...». ثم ان من يتابع بعمق وتأمل وهو يستمع لاذاعة «سوا» الأميركية الموجهة ضد العالم العربي واذاعة «راديو فردا» أي «صوت الغد» الموجهة ضد ايران المسلمة والتي أقرتهما الاجهزة الاستخباراتية الأميركية من أجل تلميع الوجه الأميركي لدى شعوبنا وتشويه صورة بلادنا أمام أهلها بالمقابل فانه سرعان ما يكتشف ما يلي: أولاً: وجود حس انتقامي واضح يواجه السياسة العامة لهذه الوسيلة الاعلامية ضد كل ما هو أصيل وحضاري لدى العرب والمسلمين. ثانياً: وجود غاية مبطنة لكنها جامحة لدى المشرفين على هذه الوسيلة الاعلامية لغرض قبول من هو وما هو طارئ على بلادنا وبتحديد أكثر دولة الكيان الصهيوني وممارساتها وسياساتها العدوانية عبر آلية مخادعة باتت مكشوفة لدى جمهور العامة من شبابنا والتي تريدنا ان نقف مثلاً على مسافة واحدة! في الموقف بين ما يسمونه بالعنف الصادر عن الاسرائيليين والعنف الصادر عن الفلسطينيين! أي الموقف الواحد بين الجلاد والضحية! ثالثاً: وجود غاية واضحة وغير مبطنة هدفها تمييع أكثرية السكان في بلادنا والذين هم دون سن الثلاثين من خلال اشاعة «ثقافة» اللامبالاة والعبثية و«الرفاهية»! وكل ما يرد إليهم مما وراء البحار باعتباره هدية العالم المتقدم الحر النزيه والمسالم! رابعاً: وقد يكون هو الهدف الآني والملح الذي يدغدغ احلام وأماني ورغبات العديد من النخب المتغربة أو المترددة في بلادنا، ألا وهو دفعها للتطوع للقيام بمهمة «التغيير والاصلاح» تحت الراية القادمة من وراء البحار باعتبارها «المنقذ والمخلص للشعوب من حكومات وأنظمة شاخت وصار تغييرها واجباً ومصلحة مشتركة بين تلك النخب والقوة الأعظم»!! وهنا بالذات يمكن فهم وادراك ما ذهب إليه الكولونيل الاميركي الآنف الذكر الذي بدأنا حديثنا بأقواله إلى الـ BBC، فهو يعرف تماماً ماذا يريد ويعرف أيضاً إلى من يوجه خطابه في هذه اللحظة التاريخية التي تتكالب فيها مجموعات يائسة وبائسة ممن طردهم الشعب الايراني العظيم صانع الحضارات والذي يملك آليات التغيير والاصلاح الوطني والديني الخاصة به والنابعة من جذوره وليست القادمة من وراء البحار والمدعومة من قوى أجنبية تبيت الشر لايران المسلمة لا لذنب اقترفته بل لأنها اعادت ايران للاسلام واعادت الاسلام لايران وقررت مناصرة العرب واسناد قضيتهم المركزية في فلسطين منذ العام 1979م. على أية حال فثمة من يتوقف طويلاً اليوم في ايران حول حقيقة النوايا الاميركية وراء الحملة والعدوان الثلاثي المرتقب حول العراق، لا سيما بعد تصريحات كولن باول الاخيرة حول السيطرة على صناعة النفط العراقية ووضعها «أمانة» لدى الادارة الأميركية لصالح الشعب العراقي أو يتخوف من المستقبل الذي يمكن ان يتكرر مع جميع بلدان المنطقة وليس العراق وحده. وفي هذا السياق يقول مصدر خبير بالشئون العراقية في ايران: «ان خطر الالتفاف على أهداف الشعب العراقي في التغيير بات كبيراً جداً وان الأمور قد تفلت من الجميع وتداعيات ذلك على الأمن الاقليمي قد تكون هي الكارثة بعينها». غير ان آخرين يقولون ان شعب العراق كما هو شعب ايران وكما هي شعوب المنطقة سوف لن تقبل بأن تكون هكذا «أمانة في صندوق ودائع» كولن باول أو غيره، بل ان هذا الشعب العراقي العظيم هو نفسه وبقيادة علماء دينه صنعوا فيما صنعوا ثورة العشرين الشهيرة كما ساهموا فيما ساهموا في صناعة الثورة الدستورية في إيران في العام 1906م. وفي هذا السياق يذكر كاتب عراقي مقيم في قم بإيران وهو كمال السيد حادثة تاريخية لاحد كبار علماء الدين الايرانيين حصلت له مع عدد من السفارات الاجنبية في العام 1907م لها دلالات عميقة ينبغي استحضارها الآن، والحادثة هي: «عندما حوصر العلامة الكبير الشيخ فضل الله نوري في منزله وهو من كبار مفجري الثورة الدستورية بعد التفاف الانجليز على المشروطه واختراقهم لها، حاول السفير الروسي فيمن حاولوا من السفراء كسب الشهيد والاستفادة من موقعه فأرسل علم بلاده ليرفعه فوق منزله لحمايته.. لكن الشيخ رفض ذلك قائلاً: لقد قضيت سبعين سنة في حياتي تحت راية الإسلام ولا أريد أن أقضي بقية عمري تحت راية الكفر.. ردوا العلم من حيث جاء». انها قصة معبرة لمن يريد ان يعتبر، ودرس بليغ لمن يريد التتلمذ على يد التاريخ، لا سيما تاريخ علمائنا الاعلام الذين ميزوا على الدوام بين الاصلاح الوطني المنشود و«الاصلاح» الاجنبي المردود. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني