الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 هل كان لابد أن تتحرك تركيا وإيران لتبعث حركتهما بعض الحياة في الجهود السياسية على الجبهة العربية من أجل منع الحرب الأميركية على العراق؟ وإذا كانت النظم العربية عاجزة عن الاجتماع في قمة عربية لبحث الأوضاع المتفجرة في المنطقة لأنها تعلم أن النتيجة لن تكون إلا فشلا كبيرا.. فأي آمال يمكن أن تعلق على اللقاء الإقليمي: بقمة أو بغير قمة؟ إن دوافع تركيا وإيران للتحرك مفهومة ومنطقية.. فطهران تعرف أنها قد تكون الهدف التالي للعدوان الأميركي بعد العراق، كما تدرك أنها ستدفع نصيبها من فواتير الحرب على العراق اقتصاديا وسياسيا، وهي تخضع لضغوط أميركية كبيرة من أجل أن يكون دورها في العدوان الأميركي المرتقب على العراق مماثلا لدورها في أفغانستان.. أي أن تتجاوز الصمت الى التعاون وتقديم التسهيلات بدون المشاركة، كما أنها تدرك أن تقسيم العراق إذا حدث سيفتح الباب لتقسيمات أخرى لن تكون هي نفسها بعيدة عنها، كما أنه يفتح الباب لأعوام طويلة من الحروب الأهلية والطائفية في المنطقة. وتركيا تواجه أوضاعاً أشد سوءا.. فالحرب ضد العراق قد تفجر الموقف الداخلي حيث الانقسام بين الإسلاميين والعلمانيين، وقد تدفع الجيش التركي للتحرك ضد الحكومة الإسلامية الحديثة، بالاضافة الى الهم الكردي الذي ستزداد خطورته في ضوء تقسيم العراق وحصول الأكراد في شماله على الاستقلال الذاتي. وتركيا وهي تتحرك فإنها تفعل ذلك وعلى كتفيها عبء العلاقة مع أميركا بل تعقيداتها.. فهي عضو في حلف الأطلسي وهي في حاجة لدعم واشنطن في سعيها لدخول الاتحاد الأوروبي وفي الحصول على معونة صندوق النقد والبنك الدولي لانقاذ اقتصادها المتدهور، وهي تواجه مطالب أميركية ملحة بالسماح لثمانين ألف عسكري أميركي باستخدام الأراضي والقواعد العسكرية التركية لمهاجمة العراق.. ومازالت تتلكأ في الرضوخ للطلب الأميركي. ابراء الذمة تحركت ايران وتركيا، فتحركت أطراف عربية فاعلة. ومع أن ذلك ـ في حد ذاته ـ يثير العديد من التساؤلات، فإن أحدا لا يمكن أن يعترض على أي تحرك يستهدف إنقاذ الوضع وإيقاف الحرب وتجنيب المنطقة آثارها الوخيمة.. فهل نحن على هذا الطريق؟ والملاحظة الأولى على موقف الدولتين الإسلاميتين غير العربيتين أنهما لم تحسما أمرهما تماما، وأن الجدل الداخلي مازال يدور فيهما بحثا عن الموقف الذي يحقق لهما كسبا أو يقلل من خسائرهما إذا وقعت الحرب. ومع ذلك فهناك أكثر من نقطة لقاء في المواقف: ـ هناك اتفاق بين الدولتين على أن النظام في العراق ليس نظاما صديقا، فهو الذي خاض حربا طويلة مدمرة ضد احدى الدولتين، وهو المشتبك لسنوات مع الأخرى حول مشاكل الأكراد والمياه والحدود الاقليمية. ـ إن الدولتين (ايران وتركيا) تعلنان بلا مواربة أنهما تسعيان لضمان مصالحهما. وإذا كانت مصالح إيران في ضمان أمنها وتوسيع نفوذها الاقليمي وابعاد شبح العدوان الاميركي عليها بعد ان وضعتها ضمن محور دول الشر، فإن مصالح تركيا أكبر وخسائرها في حالة العدوان الأميركي أفدح، واقتصادها أقل قدرة على مواجهة تعقيدات الموقف.. وهي في الوقت نفسه لا تخفي نواياها.. فهي تؤكد أنها ستدخل شمال العراق لمنع إقامة دولة الأكراد، وهي تعلن أنها تريد تعويض خسائرها من تجارة البترول والتهريب مع العراق وتقدرها بمليارات الدولارات كل عام، ثم هي تفتح الباب لتطورات أخطر حين تطلب ـ على لسان بعض مسئوليها ـ أن يكون لها نسبة 10% من بترول العراق!! - إن تحركات الدولتين الإسلاميتين نحو الدول العربية المجاورة للعراق والمباحثات النشطة التي تدور في إطارها تتم تحت عنوان كبير ايقاف الحرب وتغليب الحل السلمي للوضع بين العراق والولايات المتحدة الأميركية، ولكن التصريحات الرسمية العديدة في هذا المجال لا ينبغي أن تحجب التصريح الهام لزعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا رجب طيب أردوغان والذي يستعد لرئاسة الوزارة هناك بعد اسقاط التحفظات القانونية التي كانت تعترضه، حيث قال انه لا يمانع في مشاركة تركيا في العمليات العسكرية ضد العراق بشرط أن يقوم بها تحالف دولي يضم دولا عربية. وهنا مربط الفرس في الحركة الحالية على الصعيد الاقليمي. فهل المطلوب أن توقف الحرب.. وكيف؟ أم أن المطلوب هو جواز مرور لتركيا وغير تركيا لدخول الحرب بعد استيفاء الشروط الشكلية؟! وبمعنى آخر.. هل تريد بعض الأطراف أن تكون هذه الحركة الاقليمية مقدمة لإبراء الذمة حين تقع الواقعة.. فتقول تركيا إنها قبلت ماقبله العرب، ويقول العرب أنهم فعلوا مافي وسعهم لمنع الحرب ولم ينجحوا، وبالتالي فلا جناح على الجميع ان استقلوا «القطار الأميركي» نحو العراق قبل فوات الآوان؟ أم أن هناك جهدا حقيقيا، مطلوبا ومتاحا، لوقف الاندفاع الأميركي المجنون نحن الحرب بكل ما ستسببه من كوارث لدول المنطقة وللعالم كله؟! غموض الموقف العربي المشكلة هنا ليست في تركيا أو ايران وانما في الجانب العربي الذي لم يستطع حتى الآن أن يبلور موقفا مشتركا لمواجهة العدوان الاميركي، وخضع لابتزاز واشنطن التي استغلت أحداث 11 سبتمبر لتضع الدول الاساسية في الوطن العربي تحت الضغط المستمر والاتهامات المتوالية.. تارة بأنها مع الارهاب، وتارة بأنها ضد حقوق الإنسان، وتارة بأنها لا تعرف الديموقراطية، ودائما بأنها تعادي اسرائيل. ولقد نجحت الضغوط الأميركية ـ مع عوامل أخرى كثيرة ـ في شل ماتبقى من قدرة على الحركة لدى الأنظمة العربية الفاعلة.. وهكذا، بينما كانت واشنطن تعد المسرح لعدوانها المرتقب على العراق، وتحشد قواتها ـ على الأرض للاسف الشديد ـ كانت الرياض تتعرض لحملة ضارية بأنها مهد الارهاب وممولته، وكانت القاهرة تتلقى التهديدات بقطع المعونات الاقتصادية، وبينما كانت دمشق تواجه الاتهامات بدعم منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية (التي اصبحت منظمات ارهابية بالمفهوم الأميركي الجديد) كانت الادارة الاميركية تقوم بتسريب تقارير رسمية تقول انه قد آن الآوان للخلاص من السعودية والمباركيين (نسبة إلى الرئيس مبارك) وأنه قد آن الآوان لتغيير كل النظم العربية بعد تأهيل الحكام الجدد في المدرسة الأميركية لتعليم الديموقراطية التي اعلن عنها وزير الخارجية باول والتي يمكن ان يكون مقرها ـ من باب السخرية بالعرب ـ في قاعدة «العديد» بعد تطويرها!! ولم تفلح حركة الشارع العربي الملتهبة في بعث الحياة في النظام العربي المصاب بالشلل، بل على العكس.. فقد الشارع العربي أي أمل في ذلك، وحتى عندما جاهرت واشنطن بنياتها في أن العراق لن يكون الا المرحلة الأولى في عملية تغيير واسعة للنظم العربية واعتماد أسلوب شبيه بما تم في افغانستان.. حتى عندما تم ذلك وأحست النظم العربية بالخطر، لم يكن الحل هو اعلان المقاومة الرسمية والشعبية لهذا التوجه، بل كان في محاولات استرضاء واشنطن والوعد باستذكار دروس افغانستان جيدا استعدادا للامتحان الاميركي في الديموقراطية الموعودة. وفي ظل هذه الأوضاع كان مستحيلا أن تلتئم القمة العربية حتى لا يتحول الأمر الى فضيحة. وكان طبيعيا أن تمرح القوات الأميركية على الأرض العربية استعدادا لاحتلال العراق، وأن تعلن بعض الدول العربية أن كل مواردها وامكانياتها موضوعة في خدمة الاميركان، وأن يعلن البعض الآخر أنه «محسود» من اشقائه العرب لان قيادة العمليات الاميركية ضد العراق ستكون من أرضه! وأن يصل الجميع في النهاية الى تلك النتيجة العبقرية الفذة.. وهي أنهم جميعا ضد ضرب العراق، ولكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا لمنع الكارثة لأنهم ـ كما أعلن مسئول عربي كبير ـ بلا حول ولا قوة! وكما فشلت الدعوة لقمة عربية، فشلت محاولات عقد قمة محدودة لمواجهة الموقف بسبب الضغوط الاميركية أو الخوف من استياء واشنطن من جانب، أو بسبب العجز عن بلورة رؤية عربية لمواجهة الموقف من جانب آخر، وانتظارا لمعجزة ترفع عن العرب مسئولية التعامل مع التحديات الهائلة التي تواجههم. وانتظر الجميع حتى جاءت المبادرة من طهران وانقرة، ولا اعتراض على ذلك من حيث المبدأ، فالتباحث مع القوتين الاقليميتين الاسلاميتين أمر مرغوب في كل وقت.. وليس فقط لمواجهة الأزمة الكبرى التي نواجهها. والعلاقات مع هاتين القوتين لابد أن تنمو على أرضية التفاهم على حل المشاكل العالقة، ومحاصرة النفوذ الإسرائيلي الذي يحاول تطويق العرب، وتدعيم العلاقات مع الجارتين المسلمتين في كل المجالات سيصب في صالح الجميع. لكن المشكلة فيما يحدث الآن أنه يأتي في غياب رؤية عربية فاعلة، وفي لحظة ضعف عربي لم يسبق لها مثيل، وفي ظل «تبشير» البعض بأن النظام العربي لم يعدله مكان في خريطة المنطقة. والمشكلة أن ايران تذهب ومعها رؤيتها وتركيا تذهب ومعها مقترحاتها، والعرب يذهبون وليس معهم إلا حيرتهم وانقسامهم وعجزهم عن بلورة رؤية موحدة لمواجهة المأساة التي تجري على أرضهم.. من فلسطين، إلى العراق، إلى قائمة انتظار طويلة لن تستثني إلا من تاب وأناب وفتح بلاده للقواعد الأميركية ورجال المخابرات الإسرائيليين! الإرادة الغائبة بالطبع سيقول الجميع أنهم ضد الحرب على العراق.. ولكن هذا لا يعني ـ في لغة الواقع ـ إلا «السلام عليكم.. عليكم السلام»! وسيقول الجميع إن على العراق أن ينفذ التزاماته ويتخلى عن أي أسلحة للدمار الشامل.. وهو ما يفعله العراق وتتأكد منه لجان التفتيش الدولية. وربما تكون هناك مطالب اضافية من بغداد، أو حتى مقترحات حول تغييرات في الحكم في العراق.. وهي مقترحات يدرك الجميع أنها خطر عليهم قبل أن تكون خطرا على صدام حسين. ومع ذلك، فكل ما سبق ليس إلا الوجه السهل في التعامل مع المشكلة، أما الوجه الصعب (والضروري أيضا) فهو التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية. وهو وجه لا أعتقد أن القمة الاقليمية مهيئة له رغم أن الظروف تسمح به. فالعالم كله يعارض السياسة الاميركية في العراق ويرفض ابتلاع الادعاءات الاميركية بعلاقة بغداد بالارهاب، وحكاية كوريا الشمالية فضحت التعنت الأميركي ضد العراق بعد أن نجحت واشنطن وتل أبيب في اخفاء الملف النووي والبيولوجي والكيماوي الإسرائيلي عن المناقشة، والمظاهرات تجتاح العالم ضد الحرب، ودول المنطقة تعلم مقدار الخسائر التي ستتكبدها، والإدارة الاميركية لا تعرف كيف تبرر لشعبها انفاق 200 مليار جنيه في حرب لصالح شركات البترول والاحتكارات المالية واسرائيل. لكن ذلك كله ينتظر شيئا واحدا أساسيا، وهو موقف عربي يمكن أن يكون المحور الرئيسي الذي ينبني عليه موقف عالمي أكثر فاعلية، لو امتلك العرب الرؤية السليمة واستعادوا الإرادة الغائبة التي لا يمكن التحرك بدونها في هذه اللحظات المصيرية. فهل تستطيع الدول العربية الأربع المدعوة للقمة الاقليمية أن تطرح موقفا لا يكتفي بـ «السلام عليكم عليكم السلام» ويتعدى حكاية أننا نرفض الحرب على العراق ويخرج من موقف الرضا بالعجز، ويعلن للولايات المتحدة أن رهانها على أنها ستحصل على ما تريد من تسهيلات ومساهمات عربية في الحرب عندما تندلع هو رهان خاسر، وأنه لا يوجد قطر عربي يستطيع أن يقدم مساعدات عسكرية للعدوان على بلد عربي شقيق، أو يسمح باستخدام مجالاته الجوية أو المائية في هذه الحرب. ويعلن تقديم العون العربي للعراق إذا تعرض للعدوان، ويضمن في نفس الوقت التزام العراق بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بنزع أسلحة الدمار الشامل مع مطالبة أميركا والعالم كله بتطبيق نفس المبدأ على المنطقة بأسرها وتحويلها الى منطقة منزوعة السلاح النووي والأسلحة الكيماوية والبيولوجية دون استثناء. ويؤكد أن تغيير النظام في العراق هو مسئولية شعبه وأن تطويره ديمقراطيا له وسيلة واحدة وهي اتاحة الفرصة لشعبه ـ بعد رفع الحصار عنه ـ لكي يمارس حقوقه كاملة بعيدا عن مؤامرات التقسيم وحروب الطوائف ـ وبمساعدة عربية يستحقها العراق لكي يخرج من أزمته ويستعيد دوره العربي والإقليمي. هذه هي الرسالة التي تنقذ الوضع وتفتح الباب لحل الأزمة حلا حقيقيا. وتقدم للعالم ما يحتاج اليه من قاعدة عربية للتحرك، وتقدم للأطراف الفاعلة في المنطقة (وفي مقدمتها ايران وتركيا) رؤية تستطيع التعامل معها حين ترفض الضغوط الاميركية، وتقدم للولايات المتحدة نفسها ما تنقذ به مستقبلها قبل أن تتحول الى امبراطورية الظلام التي لا تعرف الا لغة القوة.. تكسب بها المعارك ولكنها تخسر الحرب في النهاية. ولأن هذا غير متوفر ـ على الجانب العربي ـ فقد تحولت القمة الى لقاء بين وزراء الخارجية على وعد بعقد القمة المرتقبة اذا استدعت الأحداث «قولوا إن شاء» وصدر البيان المشترك الذي قرر ما قلناه بالاضافة الى اعلان التمسك بالحل السلمي و.. السلام عليكم.. عليكم السلام!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية