الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 بمنطق مفهوم المخالفة تحدثنا في الايام السابقة عن سلبيات التربية غير المبنية على الحوار والاقناع، واليوم صار من الواجب ان نعرض الى دور التربية المعتمدة على تكوين القناعات في تكوين الشخصية الفاعلة التي تمتلك رصيدا من الاخلاق يحفظ عليها انطلاقتها في الحياة، ويمثل لها زادا روحياً وقيميا متجدداً لا ينفد او ينضب في يوم من الايام. ان قوة الاخلاق تنبع من قوة الاقتناع وليس من سبيل الى ايجاد تلك القوة الداخلية التي تعمل عمل المولد الذاتي في تطهير البيئة النفسية من الشوائب والافكار السلبية، وفي ادارة السلوك وفقا لمعطيات النظام الاخلاقي الفعال الا ان تفتح نافذة على الحوار الحر الذي يحتفي بعشرات الاسئلة الصادرة من الابناء ويرحب بها، ويراها احد مفاتيح الوصول الى فهم اسرع لنفسيات الابناء، والى تشكيل خارطة المفاهيم والقيم في عقولهم بما يتناسب مع طموح الاباء وآمالهم. فما من شيء اسرع الى تقريب المسافات، وتبديد السحب والغيوم التي قد تظهر فوق سماء العائلة من ضخ معان جديدة مادتها الترحيب بالاسئلة، وتقديم اجابات شاملة تريح اعصاب الابناء، وتخفف شعورهم بالاحتقان والضجر مما يحدث في الحياة من مفارقات قد يعجزون عن التكيف معها والمرور الآمن من بينها دون ان يصابوا بالعدوى او الانبهار او الخضوع لما يتعارض مع نوعية التربية التي تلقوها في اسرهم. ومن الصعب ان يتصور المرء مرور السنوات، وتتابع التجارب الكثيرة والمختلفة التي يمر بها الجيل الجديد ولا تصاحبها رعاية ابوية مباشرة تعمل على تدعيم القيم الاخلاقية في نفوس الابناء، وعلى تهذيب مشاعرهم ورفع مستوى المقاومة الداخلية لهذا النشء الجديد، وذلك من خلال تكوين القناعات، وايجاد ارضية معرفية قوية تعرفهم بالصواب من الخطأ فيما يجري على مسرح الحياة من عروض تتفاوت بين الجدية والعبث، والجدوى والتخريب!! والثابت ان قوة الافكار التي يمكن ان يعرضها الآباء على ابنائهم يحددها مستواهم الثقافي وقدرتهم على انتقاء الاسلوب الذي يتناسب مع مرحلة الابناء العمرية، وطريقة تقديم تلك الافكار لتتسرب الى عقول الابناء بعفوية وبساطة وتحظى بالترحيب والقبول. ولا يكفي بأية حال ان تكون المفاهيم التي يقتنع بها الابوان صحيحة لكي يتبناها ويقتنع بها ابناؤهم انما يحدد امكانية النجاح او الفشل في التفاف الابناء حول تلك المفاهيم ودفاعهم عنها طريقة العرض والتقديم للمحتوى المتميز والصحيح الذي يحتضن تلك الشعارات والعناوين الهامة. وحياتنا اليومية تحفل بعشرات الشواهد والادلة التي تؤكد ان جمال العرض هو الطريق الاسهل للانجذاب نحو الشيء المعروض، فاذا كانت العين تتأثر بجمال الشكل الخارجي، فما بالك بالعقل والمشاعر والعاطفة التي لا تتجاوب بطبيعتها الا مع الذوق، واللطف، وجودة العبارة، وسلاسة الفكرة، الى جانب الحضور الخاص لشخصية الوسيط الذي ينقل تلك الافكار، ويعمل على اقناع الآخرين بها. كما ان علم النفس يؤكد على اهمية ايجاد رابطة نفسية قبل ان يبدأ الانسان بعرض ما لديه من افكار، والمقولة الشهيرة في ذلك: «ان الناس يأخذونك على حسب مشاعرهم، ثم يبررون احكامهم بعقولهم». وهذه قاعدة نفسية خطيرة ينبغي ان يلتفت اليها كل مربِّ لديه رسالة يريد ان تصل الى من يعتني بتربيتهم، فهو لو اخفق في كسب عواطفهم فان رسالته سيكون مصيرها الرفض القطعي دون شك. ومما يعزز من قوة ارتباط الابناء بالآباء اشاعة اجواء من المرح والدعابة اثناء الجلسات الاسرية وتعزيز الشعور لدى كل ابن بأنه مميز لدى ابويه الى جانب منحه الثقة بقدرته على مواجهة الحياة دون ان تنزلق قدماه في الخطأ او الرذيلة. كما ان الاستمرار في تغذيته بالمعلومات المقروءة والمسموعة والمرئية من شأنه ان يشكل حصانة فكرية جيدة تضاعف من شعوره بالتميز، وتملأ روحه بالثقة بأنه مهيأ ليكون نموذجا رائعاً للشخصية المتوازنة التي تعرف كيف تختار اهدافها في الحياة، وكيف ترسم خطواتها دون ان تخترق الخطوط الحمراء، او تأتي بما تخجل منه في يوم من الأيام.