السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 يعتقد الناس ان الكتابة المفيدة هي تلك التي تتناول شئونهم المباشرة فقط، وهي تلك التي تطالب بحقوقهم، وتوصل أصواتهم إلى من يهمه الأمر من المسئولين وكبار موظفي الدولة، ولذلك يصنف الناس الكاتب والصحفي على انهما الناطقان الرسميان باسم المجتمع باعتبار الصحافة هي السلطة الرابعة المسئولة عن الرقابة على المجتمع. مع ذلك فأنا لن اتحدث اليوم عن حقوق الناس، ولا عن مطالبهم الحياتية اليومية، لن أتحدث عن العراق ولا عن حماقات الرئيس الأميركي، ولا عن التعليم والصحة والشئون الاجتماعية وثقافة الاستهلاك والرقابة على الكتب و... الخ. سأتحدث اليوم عن صوت ظل يفتنني لسنوات طويلة ولا يزال وسيبقى الصوت الفاتن الوحيد الذي لا أملك حياله سوى الذهول والدهشة... ذلك هو صوت السيدة فيروز. فمنذ سنوات المراهقة المبكرة كان صوتها يغمس في القلب ايقاعاته وسحره تاركا بعد رحيله دهشة مازالت متوقدة تطرح تساؤلاتها الازلية: من أين ينبثق هذا الصوت؟ وإلى أين يذهب فينا؟ إلى أين يأخذنا وماذا يترك فينا؟ كل الذين غنوا في حياتنا جاؤوا وذهبوا، بعضهم ترك بصمة، وبعضهم مازال حيا في الذاكرة، اما اكثرهم فزبد يذهب جفاء بمجرد ان تطفيء صوت التسجيل، اكثرهم، اصوات بلا هوية بلا طعم وبلا لون او ذائقة.. اشخاص.. رجال ونساء يصرخون في مكبرات الصوت ليعلنوا ميلاد نجوميتهم التي تلمعها شركات الاعلانات والصوتيات وصفحات الفن. وبعض الصحفيين الذين يقبضون الكثير مقابل كتابات تافهة لا تصنع فناناً ولا تقنع قارئاً. وحده صوت فيروز ساحر منذ الازل وفاتن حتى النخاع وفي سهرة الخميس التي رعتها الجامعة الأميركية في ظل فعاليات مهرجان دبي للتسوق كان للسهر مع صوت فيروز نكهة أخرى مختلفة تماماً، ليل الأغنية الفيروزية يفتح شهية السهر، جادلاً من الليل والصوت والموسيقى ثالوثاً خرافيا إلا مع صوت خرافي لسيدة رقيقة كقبضة ورد واسطورية كأنها قادمة من زمن الاساطير تحمل سر الألق في صوتها. ونادراً ما يصغي الجمهور إلى الأغنية في عالمنا العربي فحتى أم كلثوم لم تعلم جمهورها كيف يصغي، وحدها فيروز علمتنا كيف نصغى حتى لا يفوتنا سحر الكلام وسحر الصور التي ترسمها حرفا حرفا، وكلمة كلمة، وبرغم ما طرأ على فيروز حينما اسلمت قيادة صوتها لابنها زياد، فكان ان ادخلها إلى عوالمه التي لا تمت بصلة إلى عوالم الياسمين والفل المزروع على ادراج البيوت، والورد المتكيء على الأسوار، إلا انها مازالت حلمنا المختبيء تحت الوسادة ومازالت جارة القمر المسافر في اغنياتها كأنه العاشق وكأنها حبيبته الوحيدة. ينحني القمر على كتفها، وينحني صوتها على سنوات احلامنا، يأخذنا إلى زرقة البحر، وجبين القمر، ومقاهي العشاق، وكل تفاصيل الزمن الجميل الذي صنع اسطورتها، فخلدته فيروز في صوتها وفي ذاكرتنا. فيروز الأسطورة التي لا تشيخ، وصوتها زيت الاسطورة الذي لا ينضب، هذه الفاتنة التي لا تحلو قهوة الصباح بدون صوتها، امتطت صهوة اغنيتها وانطلقت تحت سماء صافية وفي ليلة خرافية المزاج والطقس من ليالي دبي الحميمة فكانت سيدة الليل وشاعرة الصوت، فعلمتنا كيف ننصت وكيف يكون الاصغاء فناً وذوقاً واحتراماً وصلاة. لم نجدها في أغنيات زياد، فليس في أغنيات (الزيتون والليمون والصابون وارجل البيانو التي من ميلانو شيء من فيروز ومع ذلك فإن الايقونة الساحرة بقيت ساحرة، لم يضف زياد إلى تاريخ والدته إلا القليل فيما سبق، أما هو فقد نال شرف محاولة ان يضع توقيعه على جانب صغير من اللوحة الخالدة! اخيراً.. عذراً فيروز ومعذرة.. فكل ما يمكن أن يقال يقف حائراً أمام اسطورة صوتك الساحر.. وحده القمر يعرف سرك، ولذلك ينحني لك عندما تطلين وعندما تغازلينه حالمة كعهدك: «نحنا والقمر جيران... بيتو خلف تلالنا».