السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 تتناثر القصص والحكايات والسير التي تتحدث عن تعلق الرؤساء وصنّاع القرار العالمي بالقراءة، فمنهم من يفضّل الشعر، ومنهم من يحبِّذ قراءة التاريخ وسير الشخصيات التي نحتت اسمها ووجهها على عتبات المجد فكانت فصلاً مؤثراً من فصول التاريخ، ومنهم من يراوح مكانه باحثاً عن دور يلعبه حتى ولو كان قصيراً.. المهم أن يذكر التاريخ أن الرئيس الفلاني كان شغوفاً بالقراءة والاطلاع.. فهل تنطبق على هؤلاء مقولة «قل لي ماذا تقرأ.. أقل لك من أنت»؟! هذه القاعدة ربما تنطبق وبشكل كبير على جورج بوش الرئيس الأميركي، حيث يتزايد الفضول لدى الكثيرين للتعرف على ما يفكّر فيه حالياً مع تصاعد الاحتمالات حول الحرب ضد العراق.. فالرجل قدّم ما يفكر فيه بسهولة ويسر وبعفوية مطلقة، فحينما سأله مراسل وكالة «أ.ب» عن الكتاب الذي يقرأه حالياً أثناء عطلته، جاء الجواب بشكل بدا عفوياً: كتاب «القيادة العليا». ويرى مؤلف الكتاب الذي أبدى تأييده الواضح والمباشر لغزو العراق يرى ان الزعماء المدنيين كانوا أكثر كفاءة في ادارة الحروب من نظرائهم العسكريين. ويشير المؤلف إليوت كوهين إلى أربعة قادة ناجحين هم: ابراهام لنكولن، وونستون تشرشل، وجورج كليمنصو، وديفيد بن غوريون، إلا أن المثير في الكتاب هو ما تضمنه الغلاف الخلفي، إذ اعتمد على اقتباس مأخوذ من محرر جريدة «ويكلي ستاندرد» المعروفة بانحيازها إلى موقف غزو العراق، يقول: إذا كنت أستطيع ان أطلب من الرئيس قراءة كتاب واحد، فإنه لن يكون سوى هذا الكتاب! وفي دراسة نشرت حديثاً عن اهتمام رؤساء الولايات المتحدة الأميركية بقراءة الكتب واقتنائها، تبيّن ان هناك علاقة وطيدة بين الرئيس الناجح والقراءة، فكلما كان الرئيس من عشّاق القراءة، كان سجله الرئاسي ونظرته وقيادته للبلد ذات بعد أكبر ونظرة أوسع وتوصف فترة حكمه بالنجاح. إلا ان هذه القاعدة لا تعتبر إلزامية للنجاح، كما تقول الدراسة، لأن بعض الرؤساء لم تكن القراءة من اهتماماتهم ولا من هواياتهم، ومنهم الرئيس بوش الأب، فلم تكن هواية القراءة وشراء الكتب من أولويات الحياة الفكرية لديه، وقد ورث الابن بوش هذه الصفة، فبوش الابن يعتبر من أقل الرؤساء شغفاً بالكتاب والقراءة، واقتناء الكتب والاهتمام بها، ويماثله في عدم الاهتمام كذلك الرئيس جونسون الذي لم تكن شخصيته محبوبة أو مقبولة من كل الذين أحاطوا به، فكانوا يصفونه بالتكساسي الجلف. أما الرئيس الدنجوان بيل كلينتون، فرغم فضائحه ومغامراته النسائية المشبوبة، كان أحد عشاق القراءة، فهو دودة كتب، كما يقال، ولديه عشق متواصل ومتنوع في القراءات، فمن القصص والروايات إلى الكتب الجادة في التاريخ والفلسفة والسياسة ما يجعله في مصاف الرؤساء العظام الذين تذكرهم كتب التاريخ بشغفهم بالقراءة والاطلاع. المثير ان رفوف المكاتب في البيت الأبيض امتلأت من الكتب التي اشتراها أو اقتناها الرئيس كلينتون، فهناك صناديق وكراتين مملوءة بالكتب التي قرأها أو تصفحها أو اطلع عليها. ومن الرؤساء الأميركيين السابقين الذين عشقوا القراءة الرئيس جورج واشنطن الذي عُرف بخجله الشديد، فلم يكن واشنطن يستطيع الخطابة في المجالات العامة، وكان لسانه يتعثر في التعبير عن مشاعره، ودائماً ما يرتبك في وجود الغرباء، ويصمت أكثر الأوقات، ورغم ذلك ترك خلفه ألف كتاب عند وفاته، بينما ترك الرئيس جيفرسون ستة آلاف كتاب في مكتبته. أما الرئيس جون كيندي، فربما لا يعرف الكثيرون انه من قراء الكتب البوليسية والمغامرات، وخاصة الروائي البريطاني ايان فليمنغ كاتب أشهر سلسلة من أفلام التجسس التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أفلام «جيمس بوند». وربما حفرت شخصية بوند الاسطورية التي تتحدى الموت دائماً معالمها في تكوين كيندي، وما غزوته المشهورة والفاشلة لكوبا إلا مغامرة من مغامرات العميل السري جيمس بوند التي كان يؤلفها الروائي فليمنغ ويصدقها الرئيس كيندي! ـ والسؤال الذي يطرحه الكثيرون.. هل كانت القراءة والمحيط الثقافي العام ذا تأثير على تفكير الرئيس أو صانع القرار؟ يبدو أن للقراءة تأثيراً قوياً، فالرئيس رونالد ريغان الذي لم يكن من عشّاق القراءة لكنه تأثر بأفلام وروايات الخيال العلمي، تبنّى برنامج حرب الصواريخ، ومثله الرئيس دوايت ايزنهاور الذي كان مغرماً بالقراءات العلمية كثيراً، وهذا يجرنا إلى تأكيد مقولة تأثير القراءة على صانع القرار، فقد تأثر ايزنهاور بالاكتشافات العلمية ومثله كثيرون حتى قيل في فترة ما بعد اكتشاف الذرّة، وبالتالي صنع القنبلة الذرية أن أُسس السياسة بدأت توضع في المختبرات العلمية، ولعل هذه الفترة بدأت تحديداً في أواسط الخمسينيات، حين فاجأ السوفييت وقتها الولايات المتحدة باطلاق «سبوتنك» إلى الفضاء الخارجي عام 1957، فقد هزّ هذا الاطلاق السياسة الأميركية هزّاً عنيفاً، فوقتها أقال ايزنهاور رئيس الدائرة العلمية من منصبه، ولم يكتف بذلك، بل عيّن مستشاراً في البيت الأبيض للشئون العلمية يطلعه على آخر ما يدور في المعامل الأميركية حتى تستطيع الدوائر الاستراتيجية السياسية وضع سياساتها وهي على بيّنة مما يجري في كواليس التكنولوجيا. .. أخيراً، قل لي ماذا يقرأ بوش، أقل لك بأن الحرب مقبلة!