السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 لماذا فترت حماسة النخب الشمالية السودانية تجاه «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وزعيمها جون قرنق؟ خير من يمكن ان يجيب عن هذا السؤال هو جون قرنق نفسه. فقد أدرك مؤخراً انه قد آن الأوان لان يسفر عن وجهه الحقيقي كزعيم جنوبي للاقلية الجنوبية لا كزعيم قومي يطرح نفسه على السودانيين جميعا.. شماليين وجنوبيين معا. هكذا ظهر قرنق اخيراً من خلال مفاوضات ماشاكوس بعد ان رأى انه دنت ساعة الحقيقة ليكشف اضطراراَ عن اجندته الخفية كزعيم جنوبي يدافع عن قضية جنوبية عبر التفاوض مع طرف شمالي حكومي بغض النظر عن الهوية السياسية لذلك الطرف وبغض النظر عن طبيعة نظام الحكم المركزي القائم في الخرطوم.. استبدادياً كان ام ديمقراطياً.. فمن منظور قضية الجنوب تتشابه كل القيادات السياسية الشمالية في نظر «الحركة الشعبية» على صعيدي الحكم والمعارضة من حيث كونهم جميعاً شماليين عرباً ومسلمين. اجندة قرنق الخفية تنحصر في السعي للحصول على اكبر قدر ممكن من المكاسب للشعب الجنوبي على حساب الشعب الشمالي من خلال التفاوض حول مسائل قسمة السلطة وقسمة الثروة. ومن اجل تعزيز هذا السعي عمد قرنق الى استقطاب اهل منطقة جبال النوبة وأهل منطقة الانقسنا «المحاذيتين للجنوب»، الطرف الشمالي ذي الهوية العربية الاسلامية بجبهة عنصرية من اللاعرب اللامسلمين من اجل تقوية موقفه التفاوضي. هكذا اضطر قائد «الحركة الشعبية» الى وضع حد فاصل نهائي بين قضيته كزعيم جنوبي طموح ذي اجندة جهوية صرفة وقضية من أيدوه من النخب الشمالية المعارضة. لمدى 13 عاماً منذ تسلم «نظام الانقاذ» زمام السلطة عبر حركة انقلابية ظلت هذه النخب تؤيد حركة قرنق المسلحة مرهنة عليها للاطاحة بالنظام الحاكم. كان هذا تعبيراً عن عجز واحباط مصحوبين بقدر عظيم من السذاجة السياسية وقصر النظر والتفكير الرغبوي وحلم اليقظة. من داخل «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض أو من خارجه ظلت هذه النخب تصفق لجيش قرنق كلما احرز انتصاراً في ميدان القتال ولا تكاد تخفي شعوراً «سادتياً» بالسرور وانشراح الصدر كلما منيت القوات المسلحة الحكومية بهزيمة. وكانت المراهنة الضمنية هي انه بعد ان يحقق جيش قرنق انتصاره الحالي وينجح في اسقاط «نظام الجبهة الاسلامية» فإنه سوف يتقدم بكل نبل نحو حلفائه من القيادات الحزبية الشمالية لتسليمهم مفاتيح السلطة قانعاً بنوع من الحكم الذاتي للجنوب. هذه المراهنة ظلت تتعاظم على خلفية حيلة دعائية براقة اطلقها قرنق تحت عنوان «السودان الجديد» صدقها المراهنون ليكتشفوا الآن انها معادلة عنصرية ضد الشمال. لقد دخلت علاقة التعامل السياسي بين حركة قرنق والحكومة مرحلة جديدة تماماً منذ يوليو الماضي عندما رتبت الولايات المتحدة العملية التفاوضية بين الطرفين في ضاحية ماشاكوس الكينية. منذ ذلك الحين اسقطت «الحركة الشعبية» من اجندتها حساباتها السياسية اي بند يتعلق بأمر الاطاحة بنظام «الانقاذ» او أي امر آخر يندرج تحت اهتمامات القادة الشماليين في «التجمع» المعارض وفي مقدمتها استعادة النظام الديمقراطي. ولمدى الشهور الستة الاخيرة منذ ان بدأت مرحلة ماشاكوس ظلت حركة قرنق تتجاهل «التجمع» المعارض مع تجاهل الاهداف والطموحات الرئيسية التي انطوى عليها «ميثاق اسمرا». لقد كان من المفيد في السابق لحركة قرنق ان تتحالف مع الاحزاب الشمالية لاستخدام قادة هذه الاحزاب من حيث التكتيك المرحلي كغطاء يضفي على الحركة وقاراً ومشروعية ومصداقية لدى الشعب الشمالي. لكن هذه العلاقة التحالفية اصبحت الآن من منظور قرنق عبئاً على حركته يجب التخفف منه بعد ان استوثق هذا الزعيم الجنوبي ان فرصة تاريخية من خلال ماشاكوس صارت الآن متاحة لتحقيق اهداف اجندته المحصورة في قضية الجنوب فقط. هذا يفسر لنا لماذا، مع اتضاح ملامح هذه الحقيقة يوما بعد يوم، أخذت تستبد بالنخب الشمالية خيبة أمل تجاه «الحركة الشعبية». ان هذه النخب ترى الآن رأي العين كيف أدار قرنق ظهره نهائياً لقضية التغيير السياسي في الشمال بعد ان قرر لنفسه ان هاجسه الاعظم ينبغي ان يكون توحيد الصف العنصري اللاعربي اللامسلم في جبهة ضد الشمال بنخبه و«انقاذه» وقادته المعارضين.. كما ترى هذه النخب ايضا كيف صار «التجمع» نسياً منسياً بعد ماشاكوس. لقد اتخذت القضية الآن شكلها الحقيقي الاصلي ذا البعد التاريخي الممتد لمدى 48 سنة منذ عام 1955 كقضية مخضرمة بين الجنوب والشمال. هذه على الاقل رؤية الطرف الجنوبي بزعامة قرنق وهي رؤية سليمة، فهل تستطيع النخب الشمالية ان تستخلص ما ينبغي استخلاصه من هذه الحقيقة أم تمضي في مضغ الاحباط الناتج عن استشعار العجز.. وادمان الاحلام في رابعة النهار؟