السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 على مايبدو أن الحزب الوطني الديموقراطي قد أدركه الوعي مؤخرا بأهمية السودان لمصر، ولا شك أنه استعاد اذن ثوابت راسخة في سياسة مصر القديمة، حين كانت تلك الأهمية تفوق كل مايربطها من علاقات ومصالح مع أي دولة وشعب في العالم، الأمر الذي دعا الحادبين على تنامي وازدهار العلاقات بين مصر والسودان أن يضعوا ايديهم على قلوبهم ويلهجون بالدعاء «اللهم أجعله خيراً»، حين بادر الحزب الحاكم بعد اعادة تنظيمه الى تشكيل وفد على مستوى عال برئاسة أمينه العام صفوت الشريف وزير الاعلام للمشاركة في احتفالات القطر الشقيق السودان بعيد استقلاله السابع والأربعين. وقد ضم الوفد نخبة من أبرز قياداته السياسية، بينها الدكتور علي الدين هلال وزير الشباب والرياضة والدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة السياسة الخارجية بمجلس الشعب. وهناك في مدينة «ملكال» عاصمة ولاية أعالي النيل بجنوب السودان حيث أقيم الاحتفال، أعلن رئيس الوفد أن مصر مع خيارات الشعب السوداني في شماله وجنوبه على درب الوحدة القومية والإستقرار والسلام والتنمية، وأن ما يجمعه والشعب المصري من الأواصر ولحمة المصير الواحد أقوى وأكثر صمودا في مواجهة التحديات، وتلك كانت مؤشرا له دلالته على رغبة مصرية صادقة في تجاوز مرارات الماضي وفتح صفحة مستقبلية تحقق المصالح المشتركة للشعبين على درب التقدم والتضامن واللحاق بركاب العصر. ذلك أنه منذ الجلاء الناجز للاستعمار البريطاني الذي توج باستقلال مصر والسودان عام 1956، ومسيرة العلاقات المشتركة ظلت تتأرجح بين الوفاق والخصام، ثم يعقبها العناق والصفح الجميل و.. عفا الله عما سلف وهلم جرّا، ولعله من هنا باتت الضرورة ماسة لحماية هذه العلاقات من ترف الخلافات العقيمة والمماحكات العبثية المتبادلة على الصعيد الرسمي، ايذانا بالولوج الآمن الى ساحة العمل السياسي المسئول في حماية الشعبين، ولن يتأتى ذلك من دون تقنينها في اطار خطة استراتيجية بعيدة المدى، تفضي بمضمونها وأهدافها وآلياتها الى التناغم والتكامل والوحدة. وحتى تظل الخطة بمنأى عن احتمالات تغيير أنظمة الحكم وتوجهات الحكومات، من المتعين الدعوة الى عقد مؤتمر قومي جامع للنخب الفكرية والسياسية ومنظمات المجتمع المدني في مصر والسودان، لاعادة ترسيم معالم عصرية للعلاقات، بحيث ينتهي المؤتمر باعلان دستور أو مانفستو تاريخي، بمثابة ضمانة لحماية العلاقات من العثرات والخروج عن النص، ولتكن الخطوة في مشوار الألف ميل عبر توحيد سلم التعليم وبرامج الدراسة في المرحلتين الابتدائية والاعدادية، لتخريج أجيال جديدة تؤمن بوحدة القيم والمبادئ التي حافظت على ثوابت العلاقات من غائلة الدس والوقيعة، الأمر الذي يستدعي بالتالي اعادة كتابة تاريخ وادي النيل موحدا بعد تنقيته من المغالطات والافتراءات. ومن هنا نحسب أن مهمة الوفد قد كللت بالنجاح، ولعلها كفرت عن بعض من أخطاء وخطايا الحزب الوطني الذي يكسب دوما في كل الانتخابات أمس.. واليوم.. وغدا، وبعدها يغط في سبات عميق، فلا نسمع له سوى الحديث المكرور عن أزلية العلاقات مع السودان، ومواقفه العنترية في الحفاظ على وحدته.. ولكن من بعد. واذا كان صفوت الشريف قد وعد بفتح معاهد الاعلام واستديوهات الاذاعة والتليفزيون المصري لاستقبال أعداد من الدارسين السودانيين تباعا، فلعله يتبنى في المقابل اعادة افتتاح معهد الدراسات السودانية الذي تأسس في عهد جمال عبدالناصر لتخريج الكوادر المصرية من الخبراء في شئون السودان، ثم أغلق في عهد الرئيس السادات، وجرى دمجه في معهد الشئون الافريقية، ولماذا لا نطمح كذلك في تخصيص وزراء لشئون السودان، بديلا عن تشتت الجهد بين الخارجية وسلطة الرئاسة، ومتى نرى الشأن السوداني مادة حية ومتجددة في الصحافة والاذاعة والتليفزيون المصري؟. ولا يسعنا في النهاية سوى ان نتفاءل بالنشاط الطوعي المصري عبر الاسهام والمساعدة في المجالات التي يحتاجها السودان، على نحو النجاح الذي تحقق لأسرة وادي النيل بالقاهرة، سواء عبر التمكين للطلبة السودانيين من الدراسة بالجامعات المصرية، أو عبر باكورة خدماتها الطبية التي بدأت بارسال بعثة من أطباء العيون لاجراء مئات العمليات الدقيقة في السودان بالمجان، حيث تنادت لها بعثة أخرى من أطباء القلب والأمراض المستعصية و.. المهم أن يتواصل هذا العطاء ويتنامى! ـ كاتب مصري