السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 لم تخف الولايات المتحدة عداءها للرئيس الفنزويلي اليساري هوغو شافيز منذ الأيام الأولى لانتخابه عام 1998. وأعلن السياسيون والمعلقون الأميركيون بوضوح أن بلادهم ليست بحاجة الى كاسترو آخر في أميركا اللاتينية، التي تعتبرها واشنطن «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة. بل إن الأميركيين اعتبروا شافيز أشد خطورة من كاسترو بسبب المصالح النفطية الهامة التي تربط بلادهم بفنزويلا، خامس أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، ورابع أكبر المصدرين الى السوق الاميركية.. وهي سوق لا يرتوي أبدا نهمها لاستيراد المزيد من النفط.. والواقع أن سياسة شافيز الداخلية والأميركية اللاتينية والدولية، وبصفة أخص سياسته النفطية وتحركاته على مستوى منظمة الأوبيك قد مثلت تحديا جديا لهيبة أميركا ومصالحها على السواء. وكان بديهيا ـ والحال هكذا ـ أن تبذل الولايات المتحدة كل ما في وسعها من جهد لدعم المعارضة الفنزويلية سعيا الى الاطاحة بشافيز بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة بما في ذلك الانقلاب العسكري(!!) وبغض النظر عن الدعاوى الأميركية الزائفة ـ التي مل العالم من تكرارها ـ حول الديمقراطية وضرورة احترام ارادة الناخبين. كان فوز شافيز في الانتخابات الرئاسية الفنزويلية (1998) أول انتصار كبير لليسار في أميركا اللاتينية منذ نهاية الحرب الباردة. وتبني القادم الجديد الى السلطة سياسات اقتصادية ـ اجتماعية تهدف الى محاربة الفقر وتقليص الفوارق الهائلة بين طبقات المجتمع الفنزويلي رافضا السياسات الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) التي تروج لها الولايات المتحدة، بما تنطوي عليه هذه السياسات من اطلاق لحرية قوى السوق بغض النظر عن الاثار الاجتماعية السلبية لتلك الحرية المطلقة. وبديهي ان هذا لم يكن مبعث ارتياح للولايات المتحدة، التي تسعى مباشرة ومن خلال مؤسسات التمويل الدولية لفرض تلك السياسات على الدول النامية ودول شرق ووسط أوروبا بما يخدم أغراض السيطرة الاقتصادية الاميركية عليها. ومن ناحية أخرى فإن فوز شافيز، بالنسبة لواشنطن، خطوة معاكسة لمساعيها من أجل بسط هيمنتها المطلقة على أميركا اللاتينية، بعد أن كانت قد نجحت في اسقاط حكم الجبهة الساندينية بزعامة دانييل أورتيجا في نيكاراجوا (أميركا الوسطى).. وكانت تمني نفسها بإحكام الحصار على كوبا واسقاط حكم كاسترو العتيد. ومثل فوز شافيز دعما سياسيا ومعنويا لا شك فيه للقوى اليسارية في القارة، سواء كانت تحمل السلاح كما هي الحال في كولومبيا (المجاورة لفنزويلا) وبيرو مثلا، أو كانت تخوض نضالا سياسيا عبر صناديق الاقتراع كما هي الحال في الاكوادور حيث فاز الكولونيل اليساري الشعبوي لوسيو جوتيريس في انتخابات الرئاسة في ديسمبر الماضي، أو حتى في البرازيل رغم اختلاف حالتها وتجربتها بمالا يتسع المقام للحديث عنه هنا. أما بالنسبة لكوبا فإن نجاح شافيز لم يكن مجرد دعم معنوي وسياسي وثغرة جديدة في طوق الحصار الاميركي لها فحسب. بل مثل أيضا دعما ماديا مهما في لحظة بالغة الحرج فقد أبرم شافيز مع كاسترو اتفاقا تقوم فنزويلا بمقتضاه بامداد الجزيرة بثلاثة وخمسين ألف برميل من النفط يوميا بشروط دفع ميسرة. ولا شك ان هذا الاتفاق يمثل نجدة من السماء للاقتصاد الكوبي الذي تأخذ بخناقه أزمة حادة منذ انقطاع امدادات الطاقة الروسية عنه في أوائل التسعينيات. والأمر المؤكد أن الامدادات الفنزويلية تضع عقبة جدية أمام المحاولات الأميركية لخنق نظام كاسترو. ولم تكن تحركات شافيز على المستوى الدولي أقل اثارة لغضب الولايات المتحدة. فقد أبدى الرئيس الفنزويلي تعاطفا واضحا مع الدول المناوئة لأميركا، وقام بزيارة لاثنتين من الدول التي تعتبرها أميركا أعضاء في «محور الشر» هما العراق وايران. كما زار ليبيا المرشحة للانضمام الى هذا المحور. وإذا كان كل ما ذكرناه ذنوبا لا تغتفر لشافيز من وجهة النظر الاميركية، فإن «خطيئته الكبرى» بلا شك هي دورة النشيط والفاعل داخل منظمة الأوبيك بهدف صياغة استراتيجية شاملة للمنظمة واستعادة دورها المؤثر في أسواق النفط العالمية، ذلك الدور الذي اعتراه ترهل ملحوظ بعد حرب الخليج الثانية في بداية التسعينيات. وبعد أن كانت فنزويلا لسنوات طويلة احدى أقل الدول الاعضاء في الأوبيك التزاما بحصتها الانتاجية، وكانت مستعدة دائما لدى أول اشارة أميركية لزيادة انتاجها بصورة تؤثر سلبا على الأسعار، فإنها اصبحت، تحت قيادة شافيز، من اكثر دول المنظمة نشاطا في السعي لخفض الانتاج الزائد الذي أدى الى الهبوط الكبير للأسعار بعد مؤتمر جاكارتا لوزراء نفط الأوبيك عام 1998 ومع الخفض التدريجي للمعروض الزائد ورفع مستوى الالتزام بالحصص الانتاجية بدأت الاسعار ترتفع تدريجيا. كما طرحت فنزويلا منذ أواخر عام 1999 فكرة النطاق السعري، التي أخذت بها المنظمة منذ مارس عام 2000، والتي تقضي بتحديد نطاق لسعر البرميل يتراوح بين (22 و 28 دولارا) وآلية لزيادة أو خفض الانتاج بما يضمن بقاء الأسعار في اطار ذلك النطاق. ويمكننا ان ندرك اهمية الاستيراد بالنسبة للولايات المتحدة اذا عرفنا انها تستورد حاليا نحو 54% من احتياجاتها النفطية، ومن المتوقع ان يصل استيرادها الى نحو 62% من احتياجاتها عام 2020 وبالتالي فإن تأمين واردات نفطية كافية ورخيصة امر يتسم باهمية حيوية للولايات المتحدة ولاسيما اذا كانت هذه الواردات من مصادر قريبة كالمكسيك وكندا وفنزويلا لا تحتاج الى نفقات كبيرة للنقل ولا شك ان وفرة المعروض من النفط في الأسواق تساعد على خفض الأسعار. وقد تحدثنا فيما سبق عن وجود طاقة انتاجية قدرها (700 برميل يوميا) يمكن لفنزويلا طرحها في الأسواق فورا. كما اشرنا الى دور ذلك البلد لسنوات طويلة في زيادة العرض في الأسواق بناء على أول اشارة من جانب اميركا. ومن هنا تبدو الاهمية الكبيرة لوجود نظام موال للولايات المتحدة في فنزويلا الغنية بالنفط والقريبة من الأسواق الاميركية. وبالتالي تبدو اهمية التخلص من نظام مشاكس كنظام شافيز أو اخضاعه بسرعة اذا كان ذلك ممكنا. ومما له دلالة كبيرة في هذا الصدد تصريح رئيس المبيعات في الشركة الوطنية للنفط «بتروليوس دي فنزويلا» فور الاطاحة بشافيز (اثناء الانقلاب القصير الذي استمر يومين فقط في ابريل الماضي) بأن الشركة سوف تنتج حسب حاجة الأسواق، وليس حسب الحصة المحددة لها من الأوبيك الاهرام 16/4/2002 الامر الذي كان من شأنه أن يؤدي لاطلاق أيدي المنتجين الآخرين في زيادة انتاجهم، ومن ثم لاغراق الأسواق وانهيار الاسعار كما حدث عام 1998. وهذا بالضبط ما تريده أميركا. وهذا ايضا ما يلقي بالضوء على طبيعة وأهداف الانقلاب الفاشل الذي اثبتت التحقيقات وشهادة الشهود تورط واشنطن فيه ووجود ملحقها العسكري في مقر قيادته في قاعدة «فورت نيوتا» بالعاصمة كاراكاس، على مدى اليومين اللذين استغرقهما الانقلاب. على يد انقلابيين مغامرين أمر ترحب به «الديمقراطية الاميركية» مادام ستؤمن لها مصالحها النفطية!! فبراميل النفط أهم ألف مرة من صناديق الانتخاب!! حينما تمكن الرئيس شافيز من استعادة منصبه بعد هزيمة الانقلاب اليميني في شهر ابريل الماضي، كان أول تعليق للرئيس الاميركي بوش على أحداث فنزويلا هو انه يدعو شافيز «للتعلم من دورس» الانقلاب!! ولما اتضح ان الأخير «لم يتعلم» تحركت الاحزاب اليمينية بالتحالف مع «اتحاد أرباب الاعمال» و«اتحاد العمال» الأصغر بقيادة كارلوس أوريتجا لاعلان الاضراب العام، مع التركيز على الاضراب من القطاع النفطي لشله وحرمان البلاد من عائداته وكما تشير تصريحات رئيس الشركة الوطنية ردوريجيز فإن كبار المديرين والفنيين لجأوا لتعطيل أنظمة المعلومات واجهزة الكمبيوتر بحيث أصبح العمل مستحيلا، الأمر الذي يتسبب في خسائر يومية تزيد على (50) مليون دولار. وكان لتدخل الجيش أثره في بدء استعادة الانتاج في حدود تقول الحكومة انها (600ـ 700 الف برميل يوميا) بينما تؤكد المعارضة انها لا تزيد على (150 ألف برميل يوميا) ولا نرى داعيا لتكرار ما يفترض ان تتعرض له مقالات اخرى في هذا الملف، لكن المهم ان الاضراب يتسع نطاقه رويدا رويدا منذ بدئه في 2 ديسمبر الماضي.. واذا لم يلجأ شافيز لاتخاذ اجراءات أكثر حزما فالأرجح ان جمهور انصاره سوف يتفكك، وانه سوف يلاقي الهزيمة في نهاية المطاف، وبانقلاب جديد على الأرجح. تطالب المعارضة باجراء انتخابات مبكرة فورا أو خلال أسابيع. ويستند شافيز الى الدستور في القول انه لا يمكن اجراء انتخابات أو استفتاء على استمراره في الرئاسة قبل شهر أغسطس. وأخيرا دخلت الولايات المتحدة على الخط بمبادرة أقرب الى مواقف المعارضة «انتخابات مبكرة وانهاء الاضرابات» تقوم على تدخل دولي بقيادة اميركا في اطار ما يسمى «بمجموعة أصدقاء فنزويلا».. فهل أميركا حقا صديقة لفنزويلا؟! لسنا نحن من يحكم بأن الشرعية الى جانب شافيز.. وانما (19 نائبا اميركيا) ارسلوا له مؤخرا رسالة بهذا المعنى فاذا كان الجيش وأغلب الشعب الى جانبه ـ كما يؤكد ـ فإن الدخول في هذه اللعبة الاميركية ليس في صالحه. والوقت ليس في صالح تماسك معسكره. ان المشهد في فنزويلا الآن يذكر في كثير من ملامحه ببدايات المشهد في تشيلي عام 1973 والنهاية الدموية لذلك المشهد معروفة.. حمامات دم واسعة وممتدة.. دليل ديكتاتورية بينوشيه الطويل بدعم من «الديمقراطية الاميركية» فهل يترك شافيز لواشنطن الفرصة لتعد في الظلام جنرالا دمويا آخر يضع نفط فنزويلا بين أيديها؟؟ سوف نرى. ـ كاتب مصري