السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 الحقيقة هي الطبقة السميكة من ملح الأرض التي نغطي بها أنفسنا حتى لا تتعفن.. هي البوصلة التي نستعملها في تيه الحياة العظيم حتى لا نضل.. وهي الانقلاب الذي نقوم به على الزيف من أجل تغيير صورة الكون.. هي الصراخ الذي نطلقه في وجه الليل حتى يصير صباحا.. وفي وجه اليأس حتى يصير أملا.. وفي وجه السجون حتى تصير حدائق.. وفي وجه الخنجر حتى يصير وردة. لكن.. لا أحد يعرف حقيقة.. الحقيقة.. فهي مثل جماعة من العميان يتحسسون فيلا ويصفون.. فمن تحسس خرطومه تصور الفيل أنبوب ماء.. ومن تحسس جسمه الضخم تصور الفيل جدارا.. ومن تحسس ذيله تصور الفيل حبلا خشنا.. ومن تحسس شعره تصور الفيل فرشاة كبيرة.. والمغزى أن الناس ترى جانبا واحدا من الحقيقة.. وهو مايهمهم.. أو هو مايعرفونه.. أما باقي الجوانب فهي مظلمة بالنسبة اليهم.. يتحسسونها في الظلام.. ويتصورنها حسب الخيال.. فنحن عميان في كثير من الأحيان. وقد فعل أمين حامد على هويدي وشهرته أمين هويدي خيرا عندما بدأ سيرته الشخصية والسياسية التي نشرها مؤخرا تحت عنوان «50 عاما من العواصف» بهذه القصة.. قصة الفيل والعميان.. فكأنه يريد أن يقول: إن ما ينشره هو وجه واحد للحقيقة التي عاشها وعاشرها.. وأنه يقبل أن نقول له: إن مايمسك به ليس «قدرة فول» وإنما «رأس فيل». واعترف أنني تعاطفت معه وهو طفل صغير يبكي وحيدا في يومه الأول في المدرسة الابتدائية بعد أن فارقه أبوه.. وعندما فشل «الناظر» في إسكاته أمر «الفراش» بوضعه في «حجرة الفئران».. وهي على مايبدو كانت حجرة تعذيب وتأديب نصف مظلمة للمتمردين من التلاميذ.. وقد فتحت الحجرة ليلقونه فيها ثم أغلقوا بها القفل والمفتاح ليتركوه وسط عاصفة من صراخه.. ورغم أنه لم يشعر بالفئران فإنه شعر بالإهانة.. وفقد الوعي.. والكرامة.. وفيما بعد ظلت عقدة الخوف من الفئران تطارده حتى كبر وأصبح سفيرا ووزيرا ومشرفا ومسئولا عن جهاز المخابرات العامة.. فعندما سجنه أنور السادات في القلعة ضمن المجموعة التي عرفت بمجموعة «15 مايو 1971» كان يرتعد على حد قوله من احتمال وجود فئران في الزنزانة.. «وكنت أراها تجري في سقف الزنزانة وهي كبيرة الحجم كالأرنب إلا أن سقفا من السلك كان يحول دون المواجهة».. وكان يتساءل كل ليلة في قلق: ماذا لو انقطع السلك وتساقطت الفئران؟«.. احتمال كان يؤرقه وصلى لله ألا يحدث.. واستجاب الله له.. فقد نقل من سجن القلعة الى السجن الحربي.. إن الوزراء والسفراء وقادة الجيوش وعتاة الجواسيس يمكن أن يخافوا من أصغر الحشرات الزاحفة أيضا. لكنني بقدر ماتعاطفت معه خوفا من الفئران بقدر ماتعجبت من عملية التهريب التي قام بها وهو ضابط صغير.. كان قد حصل في عام 1938 على مجموع ضعيف في شهادة الثانوية العامة «التوجيهية» لا يزيد عن 50 في المائة.. «على الحركرك».. ووزعه مكتب التنسيق الذي كان نظاما يطبق لأول مرة ليدخل كلية الزراعة.. لكنه لم يكمل دراسته الزراعية ودخل المدرسة الحربية التي كانت قد فتحت أبوابها طلبا لمزيد من الضباط بعد أن فاحت رائحة الحرب العالمية الثانية وبدت تدق بعنف الأبواب.. وقد تخرج برتبة ملازم أول ليبدأ خدمته في أسوان.. وبعد شهور قليلة تحركت الكتيبة إلى وادي حلفا على الحدود مع السودان.. وكان معه الملازم أول أحمد اسماعيل علي.. وزير الحربية وقائد قواتنا المسلحة في حرب أكتوبر عام 1973. وقد طلب قائد الكتيبة منهما تهريب ثوبين من الحرير الياباني عبر نقطة الجمارك.. فلف أمين هويدي ثوبا على جسم عسكري المراسلة الذي يتبعه.. وفعل الشئ نفسه أحمد اسماعيل على.. ولكن رجال الجمارك لم يبلعوا الخدعة وأمسكوا بعسكري احمد اسماعيل علي.. وفي وسط الضجة نجا عسكري أمين هويدي بما يلفه حول جسمه.. لكن.. المثير للدهشة أن أمين هويدي يعتبر هذه العملية الصغيرة.. الساذجة من عمليات التهريب دليلا على الذكاء الذي يتمتع به.. ويضيف: «لم يكن غريبا أن أرأس جهاز المخابرات العامة بعد ذلك بأكثر من ربع قرن وتولى أحمد اسماعيل علي رئاسته بعدي بسنوات». لقد توقفت عند هذا الاستنتاج وتعجبت منه.. هل تهريب ثوب على جسم آخر دليل ذكاء يؤهل صاحبه لتولى مهام جهاز مخابرات يحترف الذكاء ويدمنه ولا يفرط فيه؟.. أتصور أن الاستنتاج ضعيف.. لا يقوي على أن يقوم أن ينهض أو حتى يهم برأسه.. والا كان نصف مهربي الثياب من بورسعيد على الأقل ضباط مخابرات.. وتعجبت ايضا من اعجابه بنظام المراسلة الذي كان سائدا في الجيش وألغته ثورة يوليو.. ونظام المراسلة هو تخصيص جندي ليكون في خدمة الضابط.. يجهز له ثيابه وطعامه ويلمع له حذائه.. ولكنه يصف هذا النظام الذي يعد نوعا من العبودية بأنه «كان مهما جدا». على أننا نحترم صراحته ونقدرها ونعتبرها أبرز ملامح الكتاب.. فهو يعترف ببساطة أنه قضى ليلة في «بنسيون» صاحبته يهودية عندما سافر الى القدس ليقضي رأس السنة هناك قبل اعلان الدولة الصهيونية بالطبع.. وهو لا يدعي دورا في ليلة 23 يوليو رغم أنه كان واحدا من الضباط الأحرار.. فقد كان مع كتيبته في رفح في تلك الليلة.. وهو لا يتردد في الاعتراف بأنه رسب في امتحان معهد الصحافة والترجمة والنشر.. وهو يعترف بأنه قتل بسيارته حمارا في منطقة نائية ودفع الفدية لصاحبه.. إنه رجل يقول ماعنده دون مكياج أو مجاملة. لكن.. مايستحق التوقف في سيرته هو عبارة «على الحركرك» التي استخدمها بنفسه ليعبر عن مجموعه المتواضع في «التوجيهية».. إن هذه العبارة على مايبدو ستظل تطارده طوال حياته.. فقد دخل كلية الزراعة لكنه تخرج في الكلية الحربية.. وهو قد أصبح ضابطا في الجيش لكنه سرعان ماتحول الى العمل الدبلوماسي.. وهو ينتمي بحكم التجربة الى مجموعة «15 مايو» لكنه بحكم الصراعات والحسابات الشخصية يتنصل منهم ويؤكد انفصاله عنهم.. وهو يتحمس للسادات لكنه وجد نفسه مسجونا بقرار منه. ولو وضعنا شريحة «على الحركرك» تحت المجهر لوجدنا التفاصيل المذهلة.. ففي يناير عام 1957 نقل من إدارة العمليات في وزارة الحربية «الدفاع فيما بعد» الى جهاز المخابرات العامة رئيسا لمجموعة المعلومات والتقديرات.. في ذلك الوقت كان زكريا محيى الدين يسلم قيادة الجهاز الى علي صبري الذي مضى في رئاسته فترة قصيرة نقل بعدها الى رئاسة الجمهورية ليتولى صلاح نصر الجهاز بعده ليصبح أمين هويدي نائبا له.. لكنه لم يستمر في موقعه الجديد طويلا.. فقد وقع خلافا على مايبدو بينه وبين صلاح نصر.. الأب الروحي الحقيقي للجهاز رغم كل مانسب اليه من تجاوزات فيما بعد.. لقد كانت المخابرات قبل صلاح نصر هي الجهاز السياسي لجمال عبدالناصر.. كانت بمثابة حزبه الحقيقي.. وكان رجالها البارزون على اتصال مباشر به.. مثل فتحي الديب «المسئول عن العالم العربي» ومحمد فائق «المسئول عن افريقيا».. وقد اختار جمال عبدالناصر من هذا الحزب عددا هائلا من الوزراء والسفراء.. منهم شعراوي جمعة «وكان وزيرا للداخلية» وعبدالقادر حاتم «وكان وزيرا للاعلام» ومحمد فائق «وكان وزيرا للاعلام ايضا» وغيرهم.. لكن صلاح نصر هو الذي حول المخابرات من حزب سياسي الى جهاز فني على درجة عالية من الاحتراف.. وهو ماجعل الخلاف يدب بينه وبين أمين هويدي.. فكان أن ترك المخابرات وغادرها الى بيته.. وتدخل جمال عبدالناصر لحسم الخلاف بسحب أمين هويدي الى عالم آخر.. هو عالم الدبلوماسية.. ومن ثم لا نجد له بصمات واضحة في هذا المجال. نقل أمين هويدي من المخابرات ليصبح سفيرا لمصر في يوغسلافيا أيام جوزيف بروز تيتو الذي كانت تربطه علاقة صداقة وتفاهم متينة بجمال عبدالناصر.. لكن.. ظروف أمين هويدي العائلية وظروف اخرى لم يكشف عنها جعلته يعتذر عن هذا المنصب الرفيع.. وبقي موظفا بدرجة سفير في الرئاسة «قريبا من السلطان» على حد قوله.. و«هذه منطقة حرجة تكثر فيها الدسائس والألاعيب».. «الرياح هناك عاصفة باردة».. و«المساحة ضيقة لا تتسع لكل الراغبين».. فكان أن تقرر سفره الى الدار البيضاء سفيرا لمصر في المغرب.. لكن.. لعنة «على الحركرك» لم تتركه في موقعه الجديد.. فترك الرباط وعاد الى القاهرة ليمكث فيها دون عمل.. وطلب مقابلة جمال عبدالناصر فقابله قائلا: «الجماعة يظهر أنهم زعلوك.. اصبر».. واستطرد: «أنت حر في تحديد موعد عودتك الى الرباط.. مع السلامة».. لكنه.. كان مقررا عدم العودة رغم أنه لم يمكث هناك سوى شهور قليلة. تدخلت الظروف السياسية لتنقذه من مأزق العودة الى مكان لم يعد يطيقه.. انفجرت الثورة في العراق.. وقرر جمال عبدالناصر نقله سفيرا الى بغداد.. وقبل سفره بساعات استدعاه لمقابلته.. وفي المقابلة طلب منه تقريب العلاقة بين البلدين وكانت في أسوأ حالتها بسبب هجوم حزب البعث على ثورة يوليو واعلان الوحدة مع سوريا.. وسافر أمين هويدي الى العراق في تلك الظروف الحرجة التي سيطرت عليها.. وهي ظروف لم تنته حتى الآن.. لكن.. ما انتهت هي مهمته هناك.. فقد عاد قبل موعده الطبيعي.. واستقبله جمال عبدالناصر بعد وصوله بأيام.. وبدأ أمين هويدي على حد قوله: يدير أسطوانته المعتادة على العراق.. ولأول مرة يقاطعه جمال عبدالناصر قائلا وهو يضحك: «مش كفاية ياأمين الحديث عن العراق».. ثم طلب منه تأجيل موعد سفره الى بغداد والبقاء مع أسرته في القاهرة.. وفي هذه المرة ترك السلك الدبلوماسي ليصبح وزيرا للإرشاد القومي «الاعلام» في حكومة زكريا محيى الدين وهي حكومة لم تستمر طويلا بسبب رغبتها في تخفيض الدعم عن بعض السلع الغذائية الأساسية مثل الأرز.. فكانت التضحية بها امرا لا مفر منه.. إنها مرة أخرى لعنة «على الحركرك» وقد دفعت أمين هويدي هذه المرة الى ترك وزارة الارشاد ليصبح وزير دولة لشئون مجلس الوزراء.. لكنه لم يستمر سوى سنة واحدة تقريبا.. ثم كان أن وقعت هزيمة يونيو عام 1967 لتفتح له بابا لم يكن متوقعا. كانت الهزيمة صدمة مروعة.. غير متوقعة.. وجرت تداعياتها مسرعة.. أرض محتلة. جيش مفكك.. واستقالة مستحيلة لجمال عبدالناصر فجرت مظاهرات عارمة تطالبه بالبقاء.. وانتحار عبدالحكيم عامر.. وكشف حياته الخاصة على السطح.. ورغبة ملحة في تقديم كبش فداء كان صلاح نصر.. وفي هذه الظروف الانتقالية المضطربة عين أمين هويدي وزيرا للحربية ومشرفا على المخابرات العامة وليس رئيسا لها.. وقد فكر جمال عبدالناصر في أن يضع كمال الدين حسين في هذين المنصبين خلال تلك الفترة الانتقالية لكنه سرعان ماأدرك أن عقارب الزمن لا يمكن أن تعود الى الوراء.. على أن وجود أمين هويدي في هذين المنصبين لم يستمر طويلا.. فقد صدر القرار الجمهوري رقم 1477 لسنة 1967 بتاريخ 25 أغسطس من العام نفسه بتعيينه وزيرا للحربية ومشرفا على المخابرات العامة.. ولكن في 24 يناير عام 1968 صدر قرار جمهوري آخر بتعيينه وزير دولة لشئون مجلس الوزراء مع بقائه مشرفا على المخابرات العامة.. وفي القرار نفسه عين الفريق محمد فوزي وزيرا للحربية.. وفي إبريل عين حافظ اسماعيل رئيسا للمخابرات العامة.. ومن جديد أصبح أمين هويدي وزير دولة لشئون مجلس الوزراء.. وعادت لعنة «على الحركرك» تطل برأسها من جديد. جاءت وفاة جمال عبدالناصر في بداية خريف عام 1970 لتحمل مزيدا من المفاجآت الانقلابية المذهلة.. بل ان هذه المفاجآت لم تنتظر استقرار جمال عبدالناصر في مثواه الأخير.. فما أن أعلن خبر الوفاة حتى تجمع شعراوي جمعة «وزير الداخلية» وسامي شرف «وزير شئون رئاسة الجمهورية» وأمين هويدي «وزير شئون مجلس الوزراء» ومحمد حسنين هيكل «رئيس تحرير الأهرام ووزير الارشاد» في حديقة بيت جمال عبدالناصر.. ولكن.. حسن التهامي تصور ان مثل هذا التجمع كان بمثابة التآمر ضد السادات.. وقد نشر فيما بعد انه دخل على السادات فورا ليخبره بالتآمر والمتآمرين عليه قائلا له: «عليك أن تضرب ضربتك قبل فوات الآوان».. لكن السادات علق قائلا: «ليس هذا وقت هذا الكلام».. على انه لم تمض سوى عدة شهور حتى جاء «وقت هذا الكلام».. فقد قرر السادات الإطاحة برجال عبدالناصر بدعوى الصراع على السلطة.. وكانت تهمة مثيرة للدهشة.. فقد كان هؤلاء في السلطة بالفعل.. ولم يكونوا في حاجة للصراع حتى يحصلوا عليها.. كما أنهم قدموا استقالاتهم بأنفسهم.. ولم يجبروا عليها.. وسارع السادات بتحويلهم الى المحاكمة مستغلا قانون محاكمة الوزراء الذي صدر في وقت دولة الوحدة بين مصر وسوريا الذي كان يعتبر الاستقالات الجماعية بما يترتب عليها من انهيارات عملية ضد أمن النظام توصف بالخيانة العظمى.. بينما كان السبب الحقيقي لما فعل السادات هو أن الفريق أول محمد فوزي أبلغ السادات بأنه جاهز للحرب في 13 مايو 1971 ولكن السادات لم يكن مستعدا للحرب قبل أن يصفي حساباته الداخلية ويستقر تماما في السلطة.. فكان أن جمع الفريق أول محمد فوزي القادة وأخبرهم بذلك.. وفي اليوم نفسه بدأت عملية القبض عليه وعلى زملائه في السلطة الذي وصفوا بمراكز القوة.. فعملية الانقلاب السياسي جرت في 13 مايو وليست في 15 مايو كما هو شائع.. ففي يوم 15 مايو كانوا جميعا في السجن. كان مصير أمين هويدي هو نفسه مصير باقي رجال جمال عبدالناصر الذين كانوا في السلطة.. وكان مصيره السجن بتهمة الخيانة العظمى.. وهو في مذكراته يتنصل من علاقته بهذه المجموعة.. بل أنه يعلن خلافه معها واعتراضه عليها في أول سابقة من نوعها.. فقد تعودنا أن يكون نقد هذه المجموعة من خارجها.. وهذه هي المرة الأولى التي نجد فيها نقدا لها من داخلها.. والحقيقة أن أمين هويدي ظلم مثلما ظلم غيره.. وإن كان الفرق في درجة الظلم.. فقد كان منذ اللحظة الأولى لتولي السادات السلطة أميل اليه.. وكانت هناك علاقات عائلية بينه وبين أسرة السادات سعت اليها في ذلك الوقت السيدة جيهان السادات.. لكن.. عبارة واحدة نطق بها وضعته في سلة واحدة وزنزانة واحدة مع الآخرين.. لقد قال لعلي صبري ذات مرة: «أنت هايل جدا جدا».. وكانت هذه العبارة العابرة كفيلة في ذلك الوقت بإدخاله السجن.. وإن قرر فيما بعد ان السادات كان حكيما في كل مافعل.. بداية من قيامه بعملية مايو عام 1971 ونهاية بعملية سفره الى القدس في نوفمبر عام 1977. وهذا حقه.. ولو مارسه بعد كل هذه السنوات الطوال. ـ كاتب مصري