السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 كيف يمكن ان تصيغ الأسر شخصيات ابنائها صياغة تتناسب مع اهداف التربية الشاملة بينما تعتمد التربية التي يتلقاها الفرد على تحييد عقله عن التفكير في المهمات التي يطالب بتنفيذها، الى جانب تنحية لغة الحوار وتبادل الآراء، والتخلي عن تكوين قناعات داخلية في نفسية الابناء للاوامر والتوجيهات التي تصدر من الابوين. ولأن المقدمات الخطأ تؤدي بطبيعتها الى نتائج خطأ، فانه من غير الممكن ان يؤدي العقم في الاساليب التربوية والضعف عن تنشيط خلايا التفكير في عقول الابناء الى تكوين شخصيات تثق بنفسها، وتجيد الدفاع عن قناعاتها حتى الرمق الاخير. والغريب ان الاسر التي تعتمد مفهوم الطاعة العمياء كأحدى الوسائل التربوية التي تثق بها يغيب عنها انها تهزم بتلك الوسيلة الضعيفة الابناء من الداخل، وتعودهم على تعطيل ملكاتهم الفطرية في الاجابة عن مختلف الاسئلة التي يبحث لها العقل عن اجابة شافية، كما تصيبهم بحالة من اللامبالاة في معرفة ماهية الافكار التي يتداولها الناس ومدى صلاحيتها للقبول والتطبيق. ان واقع الاسرة الذي لا يفتح مجالاً للحوار والاخذ والرد سيؤدي الى حرمان الابناء من وجود بيئة ايجابية واعدة تحفزهم على التفاعل مع الافكار المختلفة، وتدربهم على ممارسة البحث عن ارضية مشتركة في الحوار، وتعودهم على احترام الرأي الآخر، والوقوف بجانب الحق دون ان يكون للنفس او الحظوظ الشخصية مكان. ومن الطبيعي الا يعتني افراد هذه الاسرة بالمنهجية في التفكير، أو بمناقشة افكارهم وآرائهم الخاصة ناهيك عن القبول بسماع الرأي الآخر، وافساح المجال له ليدلي بما لديه. فمثل هؤلاء الأفراد تنخفض قدرتهم على استيعاب المخالفين لهم في التوجهات والاهتمامات، وتتميز لغتهم بالصرامة والحدة في التعامل مع الناس والسبب خلو الاساليب التربوية التي مورست عليهم في الصغر من اعتماد لغة الحوار المفتوح وتقديم نماذج سلوكية في احترام كافة الافكار والآراء. ورجوعاً الى شخصية الأب الذي ربّى مثل هذا الفرد الحاد الطباع تظهر لنا ملامح القسوة والرغبة في التسلط وممارسة دور القاضي الذي يصدر الاحكام وعلى الآخرين السمع والاذعان. مثل ذلك الاب ما إن يدخل الى بيته حتى يتسبب دخوله في احداث شلل مؤقت في نشاط ابنائه فالمستلقي على الاريكة يجلس بمجرد سماع صوت سيارة الأب، والذي يلعب يكف عن اللعب ويبحث عن مكان هاديء لينزوي فيه ويمارس الصمت الطويل حتى يغادر ابوه المكان، ومن كان يتحدث في الهاتف يقرر انهاء مكالمته فور رؤيته لوجه ابيه ومن كان يمارس هواية ما فإنه يستبدل تلك الهواية بكتاب مدرسي يخطفه على عجل من حقيبة المدرسة ليظهر للوالد انه ممتثل للقوانين الداخلية التي اصدرها الشخص الماثل بين يديه. والسؤال الذي يفرض نفسه: أتخرج مثل هذه التربية العظماء والقادة والشخصيات الطموحة المتحفزة للنجاح، والمتهيئة لدفع الضريبة المطلوبة لتميزها واهدافها الكبرى؟! وهل يمكن لقلب احتضن الخوف عشرين عاماً او يزيد ان يتحول في مرحلة تالية الى شخص جسور قادر على تحمل مسئولياته تجاه نفسه ومجتمعه؟ والذي تربى على ألا يرفع عينه في عين ابيه هل يمكنه ان يتجرأ على ان يقول للمخطيء لقد اخطأت دون ان يتصادم معه، او ان يجرح مشاعره او يخسره للأبد؟! وهل من تعود على ان الحياة اما ابيض أو أسود يعرف كيف ينظر الى الوان الحياة المختلفة وكيف يصنف الناس على اساسها بما يتيح له ان يستفيد من تجارب الآخرين حتى لو لم يتفق معهم بنسبة 100% التي طولب بإتيانها في الصغر؟! ان المقدمات الصحيحة وحدها هي التي تقود الى النتائج الصحيحة. وما كان مؤسساً على الهجوم والنقد السلبي واللغة الفوقية المتسيدة فإنه لن ينتج إلا نجاحاً وهمياً ينهار من الاختبار الأول، ويتلاشى امام تحديات الحياة