السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 عندما قال نابليون بونابرت «تفسد المؤسسات حين لا تكون قاعدتها الاخلاق» فإن ذلك كان وبكل تأكيد نتاج تجربة عظيمة مرّ بها، وخبرة كبيرة اكتسبها من الدنيا والحكم والمعارك والسطوة والسيطرة.. ولكن ما يهمنا في الامر هو القناعة التي وصل اليها هذا الامبراطور الفرنسي الشهير وهي ان الاخلاق قاعدة الرقي والسمو في هذا العالم مهما كان الوقت أو الحقبة.. عموماً فإننا كشعوب عربية مسلمة لم نكن بحاجة الى استخلاص نابليون لهذه القاعدة فهي مترسخة لدينا بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق».. كما اننا ومنذ نعومة اظفارنا نحفظ عن ظهر قلب كلام أمير الشعراء أحمد شوقي عندما قال: انما الأمم الاخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وأعتقد ان الاخلاق كلمة شاملة جامعة ولكن حصاد ألسنة الناس وافعالهم هي المحك الرئيسي الذي يمكن من خلالها ان نحكم عليهم بالخلق من عدمه، فليس هناك علامة في وجه كل امريء تبين للناس انه شخص خلوق أو غير ذلك، وفي ذلك يقول أبو دهبل: وليت للناس خطّا في وجوههم تبين اخلاقهم فيه اذا اجتمعوا واذا رجعنا الى مؤشرات الخلق التي بدأت تتلاشى كثيراً في عصر العولمة والطرب والهزّ والناس الذين تجمعهم الطبلة ولا يفرقهم البرد والمطر أبداً، نبدأ من التبجح في كلمات الاغاني والاستخفاف بالناس، وتهميش العقول والانحدار بالذوق العام الى اسفل سافلين وبشكل اصبح لا يطاق ولا يحتمل.. .. الأمثلة كثيرة والحصر هنا مستحيل، ولكن هناك السييء وهناك الاكثر سوءاً.. السييء الذي لم يكن يتخيله انسان عاقل في هذا المجتمع ان يخرج شاب يافع يدّعي حمل رسالة للمجتمع من خلال اغانيه ويصيح بأعلى صوته في اغنية غريبة عجيبة يقول فيها: أنا كلي أنا.. أبيك في همّ وعنا إنت شعليك اذا ازعلوا.. كانا كانا فديتك أنا!! ويستمر الى ان يصل عند قوله: أبيك ساعة لا شهر.. لا شهر لا لا عمر تبغي الصراحة والاكيد.. من شوفتك ما اشبع انا كانا كانا فديتك أنا. .. هذا مثال سييء عن وضع هابط يعيشه عدد من جيل هذا الوقت العصيب، أما المثال الاسوأ هو عندما يتحول مثل هذا الكلام ليخرج من لسان فتاة أو بالاحرى مطربة محلية لتقول دون ادنى خجل: ما نسيته ما نسيته.. ما نسيته لو نساني وافديته وافديته.. وافديته الاسمراني .. ألهذا الحد وصل الامر عندنا؟ الشاب يصرخ فديتك انا والشابة تغني وتوزع اشرطتها وهي «تتفدّى» الاسمراني.. والاذاعات «شغّالة» ليلاً ونهاراً تبث مثل هذه التفاهات، والأمر يمر على الجميع مرور الكرام لا ينتبه له احد!! .. عينات سيئة ولاشك ان هناك ما هو اسوأ بكثير، والمصيبة ليست فيما ظهر الى الآن بل المصيبة فيما سيظهر لاحقاً في هذا الزمن العجيب!! .. قد يستغرب البعض لماذا بدأنا بنابليون وختمنا بكانا كانا؟! والسبب ان نابليون يحث على الاخلاق قبل زمن العولمة لكننا وبما أننا في عصر العولمة فإن الرقابة والقوانين اصبحت نسياً منسياً، لذا فإن الاخلاق هي الشيء الوحيد الذي يمكن ان يردع مثل هذه التفاهات واذا اختفت الاخلاق فقولوا على الدنيا السلام!! ونذكر أخيراً بقول مسعود سماحه: جمال الخلق أفضل من جمال يغطي قبح خلق في مليح فكم من سوء خلق في جميلٍ وكم من حسن نفسٍ في قبيح