السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 مجيء فيروز إلى دبي عاماً إثر عام يعتبر حدثاً استثنائياً يشبه الحلم، وإذا كانت رحلتها هذا العام استثنائية حقاً، فإن ما يزيدها بُعداً جمالياً هو رفقة زياد الرحباني الذي عزف بحرفية عالية ذهبت إلى حد الرقص، حيث تمايل الابن البارع بقدّه النحيل الرمّاح على أنغام البيانو منتشياً وكأنه يسمعها لأول مرة أو كأنه لم يساهم في تلحين الشطر الأكبر منها. فيروز التي تألقت ليلة أمس الأول في دبي غنّت من ذاكرتنا أغنيات كلّما مرّ عليها الزمن كلما ازدادت بريقاً وعذوبة، لكن المفاجأة الأبرز التي تركت صداها لدى ثلاثة آلاف عاشق زحفوا إلى الحفل هو ذلك الخليط المدهش من ماضي «قديش كان في ناس» إلى حاضر «ياضيعانو» الأغنية الأحدث في رحلتها الممتدة نحو نصف قرن، ولأنني أنتمي إلى جيل استيقظ صباح كل يوم على أغنية لفيروز أقول انه منذ أربعين عاماً وعندما سمعتها تغني لأول مرة في مذياعنا القديم في ركن البيت وإلى أمسنا الأول لم أجد بين الصوتين فرقاً يذكر، فقد كان الصوت هو ذاته الذي سمعته تلك الأيام، وإذا بالغت قليلاً في المحبّة فإنني أقول ان الذكريات تزيد الأغنية جمالاً، وخاصة لمن كان يمضي إلى المدرسة على ايقاع صوتها الناعم فيسمعه من بيت الجيران إلى دكان على الطريق إلى باعة الصباح، وصولاً إلى غرفة البوابين في المدرسة، حتى الاذاعة المدرسية لم توفر صوتها الملائكي ليتفاءل الأولاد قبل دخولهم إلى صفوفهم. الحديث عن فيروز قد يطول ويكبر بحجم ما تتركه في وجداننا من أطياف عذبة حنونة، وأجزم ان معظم الذين تتاح لهم مساحة التعبير المقروء هذا الصباح لن يألوا جهداً في البوح بمكنونات مشاعرهم تجاهها. وهذا البوح لا يدخل في باب الإطراء والمديح، لكنه يعتبر رداً للدين الذي في أعناق الجميع لسيدة نشرت الحب بين الناس وصارت عصفورة الشوق بين كل عاشقين وسفيرة النبالة في دفتر الأحلام، لذلك يعتبر رد الدين، ولو بكلمات قليلة، أفضل طريقة للاعتراف بفضائلها. وأذكر ذات مرة أواخر الثمانينيات عندما تعطلت الحياة السياسية بالكامل في لبنان وحدث فراغ دستوري في منصب الرئاسة أواخر سنوات الحرب، نادى عدد من مثقفي لبنان وشخصياته العامة بتنصيب فيروز رئيساً في لبنان، وعبّرت صحف كثيرة آنذاك عن القيمة العالية لهذه الدعوة، والتي دلّت بشكل قاطع على تحوّل المغنية الرائعة إلى رمز وطني يعادل العلم أو النشيد. وفي سنوات أعمق بمشاعرها، كان يكفي أن تغني فيروز في مقصف الجامعة ليتحول المستمعون إلى أصدقاء، ويكفي تغريدة دافئة من صوتها أن تحوِّل برد الصباح إلى شمس ناعمة، ويكفي أيضاً أن ضجيج المقاهي يتلاشى عندما تصدح «يا جبل البعيد خلفك حبايبنا» ما يزيد حفلات فيروز بهجة ان الذين جاؤوا إلى المكان يحملون مشاعر مشتركة وأحلاماً سامية وحّدت بينها الأغنيات، ولأن وجودي في الحفل كان محاطاً بهؤلاء العشاق فقد أصغيت إلى تعليقاتهم المختلفة والتي تصب جميعها في جدول صاف من المشاعر الساطعة بالآمال، حيث الكل يقول المعنى نفسه، ولكن بطرق مختلفة، وحيث عشاق على مقاعدهم يتمايلون حنيناً مع كل أغنية وبين هذا وذاك تنتشر عبارات ذات دلالات تشي بالإعجاب الكبير، إلا أن عبارة واحدة بقيت في ذاكرتي منذ ليلة أمس الأول حين قالت زوجتي «عندما أطلّت فيروز على المسرح شعرت ان قلبي كاد أن يتوقف عن الخفقان». سلامة قلبك يا أم العيال.. فيروز مازالت تغني.. Email: h-s-d@maktoob.com