الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 كلما شعرت بضيق شديد لا أجد مفرا من الجلوس اليه، لكنه كما عودني، وكما حدثتكم عنه ذات يوم رجل ابيض شعر رأسه وأكلته الصحافة حتى نهايته فصار الوحيد الذي لا يتأزم حتى وان انفجر لغم تحت كرسيه. هذا الرجل الخرافي الذي استعين به حينما تتشابك الخيوط امامي، وانا اراقب ما يحدث حولي من احداث، مرعوبا كما يرتعب اي آمن في مكانه من أزيز المقاتلات وهدير البوارج، وصورة الموت في صور الاخبار التلفزيونية، لا يكف عن مفاجأتي بكلام مثير يشعرني فورا ان ما قاله يجب ان يخرج في بيان يوقعه عن البشرية كاملة. انا لا انفخ في صديقي الاعلامي السياسي العجوز.. لكنه كذلك، حنكته احداث اكبر واصعب من التي نشهدها اليوم، فصار ما يقوله وما يستشرفه، بالنسبة لي على الاقل، اكثر دقة من تحليلات نجوم الخارجية العربية هذه الايام. ولان نهار ومساء يوم الخميس «امس» قد عج بالمفارقات المدمرة والكارثية، بين المساومات على نفط الخليج في ظل الحرب المرتقبة، وبين الطريقة التي سيتقي فيها الاميركان احتراق آبار نفط العراقيين، وبين اجتماع الفصائل الفلسطينية وما حول الاجتماع من توتر، وبين صورة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مسندا رأسه الى راحة يده اليمنى، وبين توقعات بتمديد عمل مفتشي الانموفيك لسنوات مقبلة، وبين اقتراب موعد تقرير بليكس الفصل، وبين صمت الحملان، والمقابلات السرية المكوكية بين عواصم المنطقة العربية، وبين القبض على زيد وعبيد. بعد هذا الكم الهائل من وجع الرأس ووجع المنطقة التي كانت في يوم ما من ايام تاريخها آمنة خالية من الفئران ومن تجارب الاسلحة الجديدة، ومن كل هذا الذي يدور ويحصل.. بعد هذا كله كان لابد لصاحبي اشيب الرأس وصاحب الحصافة ان يقول قولته، او يخدرني بحديث سياسي محلل او «مخلل» حتى اعرف «راسي من كرياسي». قال شيخ السياسة العجوز: من يعتقد ان علة العرب في اختلافهم، فهذا متخلف، ومن يحسبها بالحسابات القديمة على ايام القومية العربية فهذا يجتر منطقا نظريا لم يتحقق اصلا، ومن يعتقد ان العرب اليوم حائرون بين اوامر اميركا في العراق وبين ما سيوجع الاهل والاخوة فيه ، فانه يقرأ الاحداث من منظور رومانسي ولى زمنه، ومن يتفذلك ويقول ان الامر تأخر لان هناك مساومة بين مسار فلسطين ومسار بغداد، فانه يحاول عصر تفاحة الوهم الذي يروج لاشغال الناس عادة في مثل هذه الازمات.. الامر برمته ليس كذلك، وكل الازمة الحالية متعلقة بأمر واحد فقط، هو ان اميركا «فصلت الثوب الجديد» وان العرب اليوم يحاولون لبسه، ولكن لكل طريقته في اللبس، انتظر حتى يلبس العرب جميعا ما فصل لهم، وحينما يرتاحون في الملبس الجديد، سيأتيك الحل سريعا. خرف صاحبي العجوز، اعتقد ذلك! وان صدق في التحليل فستكون العلة في ألوان واطياف ذلك اللبوس!! قال: حفظ ماء الوجه اصعب من طيرانه بحد سيف مسلول.. الامر: ان الضمير العربي يتورط اليوم في اكبر ورطة!