الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 غريب جداً أمر عالمنا العربي، وأغرب منه امرنا نحن العرب، فما من أمة أكثر منا تباهيا بالشجاعة وحمل السيف وركوب المخاطر ومجابهة الوغى (الموت)، ومع ذلك فإن الواقع يقول بأنه ما من أمة اكثر منا جبناً، وأشد منا ارتعاداً من مواجهة المخاطر، (ولعل آخر المخاطر، التي نرتعد منها دون أن نقوى على أي تصرف لمواجهتها هي العولمة) كما أننا اكثر أمم الارض حباً في الحياة .. لكنها الحياة الأشبه بالموت خلاف ما نقرأ في التاريخ بأننا أمة كان رجالها يتسابقون للموت الكريم كي توهب لهم الحياة الاكرم! غريب أمرنا فنحن الذين حشدنا الجيوش، وملأنا الدنيا صراخاً ذات يوم بعيد للخلاص من عبودية الدولة العثمانية املاً في الاستقلال والحرية، وكتبنا وألفنا القصائد والمقالات في هجاء العثمانيين، وحكمهم الفاسد المستبد، وها نحن اليوم ننفق الملايين على المسلسلات الدرامية التي تفضح مهازل الحكم العثماني لدول العالم العربي، الذي تخلف وتأخر عن ركب التقدم بسبب ذلك الحكم!! أليس ذلك ما تعلمناه وقرأناه وحفظناه بعد ان درسناه في التاريخ شيئا ما حول (حكاية) الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، وحول المحادثات والمراسلات التي كان يتبادلها الشريف مع السير مكماهون البريطاني، أملاً وضمانا لنيل الاستقلال الذي اتضح فيما بعد بأنه اكبر (مقلب) سقته لنا بريطانيا وشربناه حتى آخر الكأس؟! فهل نلنا استقلالنا فعلاً؟ وهل تخلصنا من الحكم الديكتاتوري والمتخلف والفاسد والمقيد للحريات والمنتهك لحقوق الافراد والجماعات؟ هل تقدمنا كثيراً عما كنا نعيشه أيام الدولة العثمانية؟ ماذا تقدم عندنا يا ترى؟ حقوق الانسان؟ حقوق المرأة والطفل؟ الابداع والأدب والثقافة؟ الصناعة؟ الاعلام ام الصحافة؟ ماذا سجلنا في قوائم المخترعين والاختراعات؟ ما هو نصيبنا من التجارة العالمية؟ كم نساهم في صناعة غذائنا وشرابنا وكسائنا؟ أية انظمة للتعليم تسود عالمنا العربي؟ وماذا تخرج مؤسسات التعليم عندنا: عباقرة ومبدعين ومفكرين، ام كتبة وموظفين ونسخاً متكررة؟ نعم لقد حققنا انجازات مبهرة في ميادين كثيرة، ويجب ان نعترف بذلك كي لا نظلم جهود الكثيرين ممن يدفعوننا لنحتل قوائم الطرب واغنيات الفيديو كليب، فنحن شعوب تنتج من اغاني الفيديو كليب اكثر مما تنتج من قصص الاطفال، وتدعم الرقص الشرقي واغنيات الشباب والفضائيات التافهة اكثر مما تدعم صناعة الكتاب، والثياب، والزراعة، ونحن الأمة التي تستورد كل شيء ابتداء من ابرة الخياطة وانتهاء بطائرات الركاب التجارية واسلحة الدفاع التي نستلمها مع كامل قطع غيارها ومهندسي اصلاحها وصيانتها واستخدامها! حتى الصحف والاعلام الذي كان مقيداً وتعيساً أيام العثمانيين بقي في الجوهر وان اختلف في الشكل، فكما كان المكتوبجي (الرقيب العثماني) موجوداً وقلمه مسلطا على رقاب المحررين واصحاب الجرائد، فإن الرقابة ما زالت موجودة ومزدهرة وبشكل أكثر فجاجة من ذي قبل. الكتاب يراقب قبل ان ينتقل من دولة عربية لاخرى، الجريدة تراقب قبل ان تطبع وبعد ان تطبع، الفيلم يراقب، المسلسل التلفزيوني يخضع للرقابة، المكالمات الهاتفية تراقب وحتى الانفاس تراقب أحياناً، هناك مفتشون (يفتشون) داخل عقول الناس بطريقتهم الخاصة كما يفتش مراقبو الأمم المتحدة العراق بيوتا ومصانع وجوامع وقصوراً بكل الوقاحة والهمجية .. نحن مراقبون ومفَتَّشون .. فكيف يمكن ان نتطور؟ سبحان الله .. أهذا قدر أم استحقاق؟