الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 كانت أمنية أن أذهب إلى الجامعة وأدرس علم النفس، عاند كثيرا واحد من أقرب الأقارب ورفض أن أدرس هذا العلم، نظرته هو المتعلم، انه عاش طويلا في سلك التعليم، صعد ونزل في درجات ووظائف مختلفة بوزارة التعليم ولم يلق من دراسته للتربية سوى التعب وضياع العمر، وأن الزمن لو عاد به لاختار أي ميدان غير ميدان كلية الاداب وما فيها. وعلم النفس عنده أسوأ من التربية، كان يضرب أمثلة بزملاء له اختاروا هذا التخصص فأصابتهم لعنة هذا العلم، أن حلّت فيهم المشاكل والعقد النفسية، فبدل معالجة العالم إذا بهم مرضى تسكنهم الاوهام ويعرفون بالانطوائية وحالات من الاغتراب والعزلة. هكذا كانت وجهة نظره، ووقف مستمدا كل قوته وتأثيراته دون ان انجرف وقتها ويضيع مستقبلي. يكفي أن نتعلم من غلطته هو ولا نكررها، هكذا كان يقول في بداية كل عام جامعي، ونبتعد بل نوصي حتى احفادنا أن يتركوا الاداب ويذهبوا لدراسة العلوم، كل العلوم إلا علم النفس. استجبت واستجاب كل من سمع نداءاته وشكواه وصراخه. ووافقت مكرها أمام إصراره لكنها ظلت أمنية ورغبة مدفونة أن أتعلم علم النفس وأن أقترب أكثر من هذه النفس وأفهمها: كيف تتكون وكيف تتبدل، ولماذا قبل ذلك يصيبها هذا التبدل؟ وعندما تتحول كيف لنا أن نردها إلى طبيعتها، نعالجها ونضمن أن تستقر ولا تعود إلى أوهامها وعلاّتها؟ وكيف لعالم النفس ان يعالج كل العالم. فالنفس البشرية تسكننا كلنا، وهي قابلة أن تتبدل في أية لحظة. ويكون تحورها او نزواتها كارثية إذا كانت هذه النفس تسكن شخصية محورية تملك مفاتيح القوة والسلطة فيمكّنها ثقلها أن تصنع الخير والشر للانسانية؟! النفس التى تسكن هذه الشخصية والنفوس التي تحيط بها والمنتفعة من وجودها جنبها هي التي تسّير وتقرر أي نهج تريد لهذا العالم أو المحيط الذي تتملكه يمكنها أن تنشر الشر به وتسعد بذلك. النفس الصافية السليمة المعافاة من الشوائب والعلل والأوهام هي وحدها التي تدل صاحبها على درب الخير، تنير له ظلمة المسير وتقيه من عثرات الايام وطباع النفوس الاخرى التى يمكن أن يصطدم بها. ما أصعب أن يدرس الانسان نفسه، هذه النفس التى لا تهدأ ولا تكف عن الشكوى والطموح. الطموح الذي تحوله النفس ذاتها من أمر مشروع حالم إلى آخر مختلف له معنى النقيض اسمه الطمع، تطمع في كل شيء ويكبر فيها ذلك ويتحول الطموح الطامع إلى أوهام، وإلى طبع لا يمكن فصله ولا رده ولا معالجته من هذه النفس، لقد أصبح رديفا لصيقا بها. تهوى النفس وتشتهي، وفي حالات الوهم والطمع لا تكف عن الملذات، لا تعرف حدودا تنتهي عندها، إنها إذا اشتهت ركبها الجنون، هي التى ترسل اشارات الفعل إلى العقل تتحكم فيه، ومنها هي أولا يمكن أن تموت خلاياه الحسية ولا يعود يشعر بالمعاناة ولا طعم الوجه الآخر، الوجه الطيب للحياة والناس. العقلاء الذين أسعدوا البشرية والمجانين الذين سعوا في دمارها، الأشرار والاخيار وفريق الوسط الذي وقف بين الحالتين. جميعهم يتشابهون في كل شيء، وحدها النفس هي التي تحدد طريق صاحبها في هذه الحياة وترسم له أو تفرض عليه كيف يكون وكيف يرى العالم حوله. كيف نداويها هذه النفس إذا اضطربت؟ لا اظن ان هناك دواء يمكن ان يسكّن اضطرابها ويرد عليها الرشد والصواب، ويجعلها نفساً فاضلة على الدوام، علاجها فيها هي وحدها تملك الدواء. عليها ان تكبر في كل الحالات وتتوسع من حالة الضيق والانكماش، تسمح للعقل أن يتحرر من قيودها ويفكر في خلاصها تتركه يفكر ويقرر. عليها أن تنسى الشهوة قليلا، أية شهوة، أن تطمئن تبحث عن السكينة حولها.. أو حتى تحلم بها.