الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 كان هذا هو الشعار الثاني بعد شعار «لا للحرب» على مئات الالوف من اللافتات التي كانت بأعداد الجموع من الجماهير الاميركية في مظاهرات واشنطن وسان فرانسيسكو ولوس انجلوس الاسبوع الماضي. فما علاقة «العسكرة» داخل الولايات المتحدة بالحرب المحتملة خارجها؟ احد من أمدونا باجابة عن هذا السؤال كينيث روث المدير التنفيذي لمنظمة حقوق الانسان الاميركية التي يطلق عليها «هيومان رايتس ووتش» فهو يقول ان تلك المشاعر الجماهيرية الكاسحة التي انتظمت المجتمع الاميركي في اعقاب 11 سبتمبر كتعبير شعبي ضد الارهاب قد تبخرت بعد ان اضحى الشارع الاميركي يكتشف يوما بعد يوم ان تلك المشاعر العارمة قد استغلت بواسطة السلطة لتحويل اميركا الى دولة بوليسية. لقد اكتشف الشعب الاميركي، يقول روث، ان حاله لم تعد تختلف من حيث الجوهر عن حال شعوب العالم الثالث التي تشجع واشنطن انظمتها الحاكمة على التضحية نهائيا بحقوق الانسان تحت اسم «مكافحة الارهاب». فحقوق الانسان باتت تشكل عائقا في نظر واشنطن امام جهود الحرب على الارهاب. اذن فان الدافع الى تنظيم المظاهرات الضخمة التي خرجت فيكبرى المدن الاميركية ـ وسوف يتوالى خروج مظاهرات مماثلة لاحقا ـ ليس مجرد التعاطف مع العراق والتعبير عن معارضة الحرب المحتملة، ان الدافع وراء ذلك هو ان الجماهير الاميركية ترى في تحرش الادارة الاميركية بالشعب العراقي مناسبة للتعبير عن تذمر شعبي يتعاظم بين الاميركيين ضد السيطرة الاستثنائية المتنامية لاجهزة الاستخبارات في حياة الناس، لقد ظل الاميركيون يرون لمدى شهور متصلة منذ احداث سبتمبر كيف تمارس عناصر الأمن الداخلي الاعتقالات العشوائية واحتجاز المعتقلين بالمئات بلا محاكمة .. وبلا توجيه اتهام، وسرت صدمة شعبية عندما نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحقيقا تحدثت فيه عناصر امنية من المستويين الاعلى والاوسط يدافع عن «ضرورة» ممارسة التعذيب بأشكاله البدنية والنفسية على المعتقلين اثناء دورات الاستجواب «لمنع عمليات ارهابية محتملة». لقد ظنت ادارة بوش باديء الامر ان الشارع لن يتجاوب مع الهيئات التي اخذت على عاتقها مهمة تنظيم المظاهرات باعتبار ان عناصرها القيادية تتكون من اصحاب ابراج عاجية: منظمات أكاديمية وجماعات من نجوم هوليوود وجمعيات مناهضي العولمة، ولذا كانت الاستجابة الجماهيرية في الشارع صدمة مذهلة للادارة. والسؤال المطروح بالحاح مثير في المرحلة الحالية من بوادر التذمر الشعبي الاميركي هو ما اذا كان جورج بوش سوف يستدعي تجربة فيتنام في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات لاستخلاص موعظة منها، فالغليان الجماهيري في الشارع ضد التورط الاميركي في الحرب الفيتنامية ادى الى انهاء الحياة السياسية لسلفه ريتشارد نيكسون على خلفية فضيحة عظمى. بقدر ما كان الرئيس ريتشارد نيكسون يستخف بالمظاهرات عند نهاية الستينيات واوائل السعبينيات بقدر ما كانت المظاهرات تزداد ضخامة وشراسة ويتسع نطاقها .. فيضطر الرئيس الى الامر بتصعيد نوعية القمع ضد الشارع. ومع تصاعد المشاعر الغاضبة على صعيدي السلطة والشارع امر الرئيس بسحب قوات الشرطة لتفسح الميدان لقوات «الحرس الوطني» ـ اي استبدال الغاز المسيل للدموع بالرصاص الحي. وكانت تلك، كما تبين لاحقا، بداية النهاية للرئيس نيكسون .. كرئيس وسياسي. تحولت شوارع واشنطن وغيرها من المدن الى ساحات قتالية، وذات مرة احاطت قوات الحرس الوطني بجامعة كينت حيث احتل الطلاب مباني الكليات واشعلوا حرائق. وفي ربوة عالية تطل على الحرم الجامعي اطلق رجال الحرس الوطني الرصاص الحي .. واسفر المشهد عن مقتل اربعة طلاب بينهم فتاتان، وما ان شاع النبأ حتى اشتعل الغضب بين طلاب في 450 كلية وجامعة .. وبانتقال الغضب الى الشارع التحم نحو ربع مليون متظاهر مع قوات الحرس الوطني. اصيب الرئيس نيكسون بحالة جنونية، وبعد ان توصل الى قناعة بأن شعبية حزبه ـ الحزب الجمهوري ـ انتهت بحيث بات من المقطوع به ان يخسر الانتخابات التالية امر نيكسون سرا باطلاق عملية تجسس على المقر الرئيسي للحزب الديمقراطي المنافس الواقع في ضاحية «ووترجيت» ومن هنا كانت الفضيحة العظمى الشهيرة باسم «فضيحة ووترجيت» .. فقد وجد الرئيس نيكسون نفسه امام خيارين فقط: اما ان يواجه محاكمة امام الكونغرس او يتقدم باستقالته. وكانت الاستقالة ايذانا بنهاية حياة نيكسون السياسية. فهل يعيد الرئيس جورج بوش قراءة التاريخ القريب علما بأن غليان الشارع الاميركي بدأ والحرب الاميركية في فيتنام بلغت ذروتها بينما تظهر بوادر الغليان الآن بشأن العراق حتى قبل ان ينطلق صاروخ اميركي واحد؟