الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 منذ البداية تبدو المسألة شديدة التعقيد، حيث انها تفترض وجود نظام قانوني أعلى من الدول يحد من تصرفات معينة، وهو ما يثير في الأذهان المعركة الفقهية بين المدرسة الطبيعية والمدرسة التطورية، فقبل أن تظهر كتابات الفقيه القانوني الشهير جروشيوس سادت فكرة أن هناك قانونا آخر يعلو فوق العرف وممارسات الدول، ويتمثل في القانون الطبيعي Law of Nature الذي يستمد أساساً من قواعد دينية وفلسفية، بينما فرق جورشيوس ما بين قانون الشعوب jus gonium المستمد أساساً من القوانين العرفية للدول أو ما أطلق عليها اسم «القانون الطوعي» Voluntary Law وبين القانون الطبيعي jus nature، وقد رأى أصحاب النظرية الطبيعية أن القانون الأول يعلو على القانون الثاني، الا أنه في القرن الثامن عشر بدأ اتجاه آخر في الفقه يؤكد على أهمية الدور الذي يلعبه العرف الدولي والمعاهدات بين الدول في تطوير القانون الدولي، ووصولاً الى القرن العشرين ازدادت حدة هذا الاتجاه حتى وصلت الى ما أطلق عليه مفهوم السيادة المطلقة للدولة absolute state sovereignty . وقد تبنى جانب كبير من الفقه الدولي فكرة عدم امكانية تطبيق مبدأ «النظام العام» فيما يتعلق بتطبيقات القانون الدولي العام، على أساس أن تطبيقه على المستوى الوطني يتماشى مع التقسيم التصاعدي للنظام القانوني، حيث يوجد الدستور، والقوانين واللوائح وأحكام المحاكم.. الخ، وهو ما لا يتوفر فيما يتعلق بالنظام الدولي، ومن ناحية أخرى فإن أشخاص القانون الوطني ليست لديهم أهلية سن القوانين، وانما يكون ذلك من اختصاص سلطة تشريعية، وذلك بدوره لا يتواجد في القانون الدولي العام، حيث ان أشخاصه الدول لا يمكن اعتبارهم سلطة تشريعية، كما أن القانون الوطني لديه أدواته العقابية، والجهاز القضائي الذي يفصل في انتهاكات القانون بما في ذلك مخالفة النظام العام، وكل ذلك لا يتوفر للنظام الدولي. الا أن جانباً آخر من الفقه ذهب الى وجود هذا المبدأ في القانون الدولي العام، على أساس أن هناك حدوداً لسيادة الدولة طبقاً لنظرية Limited State Sovereignty فعلي سبيل المثال ليس من حق الدول أن تبرم اتفاقات تقنن عملية الاتجار في الرقيق أو القرصنة، وأن هناك مجموعة من القواعد في القانون الدولي العرفي تحتل مرتبة راقية لا يجوز للدول أن تتفق على مخالفتها أو تعديلها، وبالتالي فان أية معاهدة تتضمن بين موادها مخالفة للقانون الدولي تعد معاهدة باطلة، ومن بين ذلك أن تتفق دولتان على شن الحرب ضد دولة ثالثة. وواقع الأمر أن ذلك الرأى الأخير لم يجد تأييداً كبيراً، ولم يظهر في الممارسة سوى في بعض الآراء المنفردة لبعض قضاة محكمة العدل الدولية، ففي قضية «أوسكار شن »، كتب القاضي «شوكينغ» رأيه الانفرادي معلقاً على المادة 20 من عهد عصبة الأمم حيث ذكر أنه يصعب عليه أن يتصور أن عصبة الأمم قد استقرت على تقنين القانون الدولي اذا لم يكن من الممكن حتى اليوم خلق نظام عام jus cogens، يكون أثره أنه بمجرد موافقة الدول على قواعد معينة وعلى ألا تكون تلك القواعد قابلة للتغيير بواسطة بعض هذه الدول فإن أي تصرف يتعارض مع ذلك سوف يعد باطلاً بشكل تلقائي. بعض الأمثلة التطبيقية: في قضية «ويمبلدون» ذكر القاضي «شوكينغ» في رأيه المنفرد مرة أخرى أن الدول لا يمكنها مخالفة النظام العام عن طريق الاتفاق، وكانت القضية تتمثل في أن ألمانيا كدولة محايدة أثناء الحرب بين بولندا والاتحاد السوفييتي عام 1921، أرغمت بمقتضى المادة 380 من معاهدة فرساي على أن تسمح بمرور بعض المواد المهربة الى بولندا عن طريق قناة كيل، وقد قررت المحكمة أن ألمانيا كانت مرغمة على ذلك، الا أن هذا القاضي ذكر أن واجبات الدولة المحايدة يجب أن تعلو على أي التزامات بمقتضى معاهدة، أي أن معاهدة فرساي لا تلغي واجبات ألمانيا بوصفها دولة محايدة باعتبار ذلك من النظام العام. وفي الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن التحفظات على اتفاقية الابادة، ذكرت ان هذه الاتفاقية لها خصائص خاصة، وأن الأمم المتحدة كانت تهدف منها أن تستنكر وتعاقب جرائم الابادة باعتبارها جرائم دولية تتضمن حرمان مجموعات من البشر من حقها في الحياة، بما يصدم الضمير الانساني ويؤدي الى خسائر بشرية كبيرة، وبما يتعارض مع القانون الأخلاقي ولروح وأغراض الأمم المتحدة، وبناء على ذلك فقد رأت المحكمة أن المبادئ التي تستند اليها الاتفاقية هي مبادئ معترف بها في الدول المتحضرة باعتبارها ملزمة للدول، حتى اذا لم تنضم اليها، فهي قد وضعت باعتبارها عالمية النطاق، لأغراض انسانية وحضارية، وبالتالي فإن الدول المتعاقدة ليس لديها مصالح خاصة وانما لديها جميعاً مصلحة عامة هي تطبيق الأغراض السامية التي تعد أساس وجود الاتفاقية. ورغم أن الرأى الاستشاري السابق لمحكمة العدل الدولية لم يتضمن النص على مبدأ النظام العام، الا أن اللغة التي استخدمتها المحكمة اقتربت من مضمونه حيث تحدثت مثلاً عن المصلحة العامة واقرارها بأن المبدأ الذي يحرم الابادة هو ملزم لجميع الدول بما في ذلك تلك الدول التي لم تنضم الى الاتفاقية. وأثناء بحث موضوع مسئولية الدولة في لجنة القانون الدولي، فرقت ما بين «الجرائم الدولية» و «المخالفات الدولية» على أساس أن الأولى تمثل انتهاكاً لالتزام دولي جوهري لحماية المصالح الأساسية للمجتمع الدولي، وأعطت أمثلة على ذلك ومنها: انتهاك خطير للالتزام بصيانة السلم والأمن الدولي، مثل الالتزام بعدم الاعتداء، أو الالتزام بحق تقرير المصير، أو الالتزام بتحريم تجارة العبيد أو الابادة أو الأبارتهيد، أو الالتزام الخاص بتحريم التلويث الكبير للمناخ أو أعالي البحار. ان ما يمكن استخلاصه من نصوص ميثاق الأمم المتحدة التي حرمت أستخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وكذلك تعريف العدوان كما جاء في العديد من المواثيق الدولية وكتابات الفقهاء، كل ذلك يؤكد أن الاتفاق الاميركي ـ البريطاني أو مع أي دول أخرى تحت مسمى التحالف الدولي، يخالف النظام الدولي العام، وبالتالي فهو اتفاق باطل وكل ما يترتب عليه يحمل أطرافه من الدول بالمسئولية الدولية. ولا يقدح في ذلك الاستناد الى نصوص غير قاطعة في قرارات مجلس الأمن، بل ان تلك القرارات لا يمكن أن تنتهك النظام الدولي العام الذي ينبغي أن تعلو قواعده على تلك القرارات، فلا يمكن مثلاً الاعتداد بقرار من مجلس الأمن يخول الدول الأعضاء ارتكاب جرائم ضد الانسانية، لأنه بذلك يخالف مخالفة صريحة احدى القواعد المستقرة في النظام الدولي العام، والتي لا يمكن تعديلها أو تغييرها الا من خلال قاعدة لها نفس القوة، وليس من خلال قرار بسيط من مجلس الأمن. ـ كاتب مصري