الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 استقبل الجزائريون العام الجديد بتصعيد خطير في مسلسل الجرائم والعمليات الارهابية التي مازالت تحصد المئات من الارواح البريئة على نحو يشبه تسعينيات القرن الماضي. عاد الارهاب من جديد الى الجزائر وسقطت بذلك نظرية بقايا الارهاب التي يتغنى بها الخطاب الرسمي الذي بقي يصر ويؤكد ان الارهاب في الجزائر يلفظ أنفاسه الأخيرة. المناطق النائية في الجزائر والقري والمداشر مازالت تحت رحمة الجماعات الارهابية التي تضرب متى شاءت وكيفما شاءت. ففي ظرف اسبوع ضرب الارهاب في شرق وغرب ووسط الجزائر واغتال نحو 100 قتيل، وعادت العمليات من جديد لتضرب رموز الدولة من ابناء الجيش الشعبي الوطني والدرك والشرطة والحرس البلدي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين السلطات الجزائرية في مواجهة هذه الظاهرة التي استفحلت في الجزائر مع بداية التسعينيات من القرن الماضي ومازالت تضرب بقوة أينما شاءت ومتى شاءت؟ فخطاب السلطات الجزائرية وخاصة وزير الداخلية يزيد زرهوني تقول شيئا والواقع يكشف عن أشياء تتناقض جملة وتفصيلا مع تصريحات السلطة في الجزائر. وبعد عشرية سوداء لم تضع الجزائر استراتيجية واضحة المعالم للتخلص من الارهاب نهائيا حتى راح البعض يقول ان هناك قوى داخل السلطة تريد ان يستمر الارهاب وتريد المحافظة على الوضع الراهن لأنه يخدم مصالحها. وهذه الفئة قد تكون في اوساط المافيا السياسية والمالية التي توجه بوصلة الارهاب في الاتجاه الذي يخدمها، فتارة تسكته وتخفيه من الساحة وتارة اخرى تحركه حتى يضرب ويزعزع المجتمع والرأي العام بكامله. توازنات هشة حسب حركة مجتمع السلم فان عودة التصعيد الارهابي تعود الى هشاشة التوازنات التي تسيّر وتدير المجتمع الجزائري على مستوى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فالمشكل الأمني مشكل معقد له علاقة بالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري. فالملف الأمني لا ينجح الا بالنظر اليه ومعالجته في اطار كلي وشامل يأخذ بعين الاعتبار اصلاح الوضع السياسي من خلال تكريس وتجسيد الديمقراطية في أرض الواقع من خلال التداول على السلطة وحرية الكلمة والفكر والرأي. كذلك اصلاح الوضع الاقتصادي من خلال تجسيد الشفافية في التعاملات المالية وتحقيق التوزيع العادل للثروة وتحقيق الاستثمار على مدى واسع وفي جميع المجالات الاقتصادية. وهنا لابد من الاشارة الى الملف الزراعي والملف السياسي فبالنسبة للقطاع الزراعي مازالت الجزائر وبعد اربعين سنة على استقلالها لم تعرف كيف تستثمر اراضيها الزراعية الخصبة سواء من حيث توزيعها او استصلاحها او تمويل هذا القطاع الذي يحتاج الى طرق جديدة في الميكنة والتكنولوجيا الحديثة في الري والمخصبات وغير ذلك. حيث نلاحظ ان الزراعة الجزائرية مازالت تعتمد على الطبيعة والظروف المناخية التي تارة تكون مواتية وتارة اخرى تترك المزارع يخسر كل محاصيله وبذلك ينتهي من عملية الانتاج والمنافسة. فالجزائر اليوم تستورد 80% من حاجياتها من المواد الغذائية. نلاحظ هنا ومع الاسف الشديد ان الجزائر مازالت لم تحل بطريقة منهجية وعلمية مشكلة المياه التي نجدها ناقصة جدا للشرب فما بالك للري والاستثمار الزراعي. اما بالنسبة للملف السياحي والذي يؤهل الجزائر ان تكون قبلة لملايين السياح من جميع انحاء العالم، فبدون بنية تحتية وبدون مرافق وأمن فان الطبيعة لوحدها لا تستطيع استقطاب الزوار. وحسب حركة مجتمع السلم فانه لا بد من المصالحة الوطنية اذا اردنا ان نعالج مشكلة الارهاب حيث يتوجب اطلاق سراح المعتقلين السياسيين والمساجين. اما بالنسبة لحركة الاصلاح الوطني فترى ان الأمر يتعلق بتحديد استراتيجية وطنية لاستئصال ومكافحة هذه الظاهرة والتخلص منها نهائيا، فالجميع يدين الارهاب ويصرخ ويتكلم ثم يسكت لفترة معينة حتى تعود المجازر مرة اخرى ويعود البكاء على الاطلال ويبقى الوضع يدور في حلقة مفرغة، فالسلطة من واجبها ومن خلال اجهزة الأمن المختلفة رعاية أمن المواطنين وممتلكاتهم. فالأمر اذن يتعلق بمعالجة أسباب هذه الآفة حتى يمكن استئصالها والقضاء عليها نهائيا. اما بالنسبة لجبهة القوى الاشتراكية فان التصعيد الاخير يعود بالدرجة الأولى الى امتداد سياسة الامر الواقع، حيث ان السلطة لا تملك الارادة الكافية والنية الخالصة للذهاب الى عمق المشكلة من خلال اقرار حل سياسي للأزمة وهذا الحل لا يتأتى الا عن طريق المصالحة الوطنية. وما يجري ويدور في منطقة القبائل منذ ما يزيد على السنتين ما هو الا مؤشر من مؤشرات ضعف الاتصال بين السلطة والمكونات المختلفة للمجتمع الجزائري. وهنا يتحتم على السلطة وعلى المجتمع المدني بمختلف شرائحه ومكوناته أن يجلسوا على الطاولة ويناقشوا مختلف القضايا التي تهم المجتمع بكل صراحة وشفافية وديمقراطية. اما سياسة العصا الغليظة وسياسة الاقصاء والتهميش فانها لا تولد ولا تفرز سوى العنف. وضع مشجع فالوضع الاقتصادي والاجتماعي هذه الايام في الجزائر يشجع على العصيان والتمرد حيث انه شجع عودة عشرات التائبين الى الجبال لدعم المجموعات الارهابية النشيطة، وهذا يعني أن هناك غياب ارادة سياسية مدروسة ومحكمة في شأن مكافحة الارهاب. فنسبة البطالة في الجزائر تبقى من أعلى النسب في العالم حيث وصلت الى 35% وهذا ما يفرز ظروفا معيشية قاسية جدا لغالبية الشعب الجزائري الذي كان في السبعينيات ينعم بمعيشة كريمة وشريفة. فالبطالة تعني التهميش وتعني الاقصاء وتعني مشاكل اجتماعية تضرب في العمق كيان المجتمع وتماسكه. التصعيد الاخير في العمليات الارهابية يعني محاولة تفعيل وتوسيع هوة الخلاف بين الرئيس والجيش من اجل تمرير رسالة للرأي العام الوطني والدولي مفادها ان الجماعات الارهابية مازالت موجودة ومازالت قادرة على ضرب الأمن والاستقرار في الجزائر، وبذلك يجب ان يحسب لها ألف حساب حيث انها مازالت قادرة على العودة في أي وقت وان اجراءات الوئام الوطني لم تأت بثمارها. فالجماعات الارهابية تحاول الحصول على حل سياسي للأزمة عن طريق المصالحة الوطنية الأمر الذي ترفضه جملة وتفصيلا غالبية القيادات العسكرية في الجزائر. من جهة اخرى يرى المحللون ان التصعيد الارهابي الاخير يعني ان خصوم الرئيس الذين يرفضون الوئام المدني يريدون وضع الرئيس أمام الأمر الواقع للاعتراف بعدم جدوى قانون الوئام المدني، وبذلك ستكون عملية التصعيد الأخيرة احد الألغام التي يواجهها الرئيس بوتفليقة في الاستحقاقات الرئاسية المقبلة والتي يحاول كسبها بكل الوسائل من اجل ولاية ثانية. التصعيد الأخير يعني بكل بساطة ان الرئيس بوتفليقة منذ مجيئه الى سدة الحكم سنة 1999 لم يتمكن من وضع استراتيجية متكاملة للنهوض بالاقتصاد الجزائري وتفعيله او تخفيض البطالة وجلب الاستثمار الاجنبي ومعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للمواطن الجزائري، ما ادى الى استمرار ظاهرة الارهاب في الجزائر رغم تقلص حجمها وحدتها الا أنها مازالت موجودة وما زال الارهاب يضرب في الجزائر متى شاء وأينما شاء. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة