الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 كتابة المذكرات والسير الذاتية للشخصيات العامة التي لعبت دورا مهما في حياة مجتمعاتها، أو حتى تخطت محيطها الاجتماعي والوطني الضيق إلى عالم أرحب لا تحتاج فقط إلى الكثير من الموهبة في التذكر لتقدم إلى القارئ جوانب مهمة من حياة المجتمع الذي عاش فيه كاتب تلك المذكرات، بل تحتاج أيضا إلى القدرة على حكي الوقائع، أي كتابتها بطريقة أقرب إلى طريقة رواة السير التي اعتاد الناس الاستماع إليهم، ووصل تعصب بعضهم لهم إلى حد وضع تلك الحكايات في مكانة أعلى من مكانة الوثائق الرسمية التي تروي وقائع تلك الأحداث. فالكاتب إذا استطاع أن ينقل سيرة المجتمع المحيط به بصدق فإنه يصبح أكثر مصداقية من الجهات الرسمية التي اعتادت على تشويه الحقائق، ومن هنا فإن الكاتب العبقري العالمي جابرييل جارثيا ماركيز في مطلع سيرته الذاتية يؤكد على أن «الحياة ليس ما عاشها الواحد منا، بل الحياة هي كيف يتذكرها، بل وكيف يحكيها». من خلال سيرته الذاتية التي طالعها القراء باللغة الإسبانية في شهر أكتوبر الماضي في أكبر طبعة لكتاب في تاريخ الأدب، حيث صدرت في طبعة واحدة من مليون نسخة، موزعة بين إسبانيا ودول اميركا اللاتينية المختلفة، وينتظر صدورها هذا الأسبوع باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية في أكثر من مليون نسخة أخرى، إضافة إلى الطبعة العربية التي كان لي شخصيا شرف ترجمتها، يكتشف القارئ أنه يطالع وضعا عالميا مدهشا من الناحية السياسية عاشه الكاتب خلال طفولته وشبابه في الثلاثيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، وتزداد الدهشة أكثر عندما يكتشف أن ما يحكيه ماركيز من وقائع سياسية كان شاهدا عليها لا تختلف كثيرا عن الوقائع التي نشاهدها اليوم عبر القنوات التليفزيونية الفضائية والأرضية، أو من خلال ما تتناقله الصحف المكتوبة عن وكالات الأنباء من وقائع دموية نعتقد أن جيلنا الحالي نكب بها وحده، وإذا بنا نكتشف أن أجيالا سابقة عاشت من قبل ما نعيشه اليوم، وأن القائل لا يزال يمارس عربدة القتل والضحايا لا يزالون هم ذات الضحايا (؟!). إرهاب منظم دون الدخول في تفاصيل ما كان يحدث في بلاد الكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982 تكريما لإبداعه العبقري، فإن كولومبيا لا تزال تعيش طوفانا من الدماء عبر أقدم حرب أهلية عرفتها القارة الاميركية الجنوبية في تاريخها منذ استقلالها عن الاستعمار الإسباني مع نهايات القرن التاسع عشر، بل أن هذا الدم الناتج عن العنف «الرسمي» كما يسميه ماركيز لا يزال يجري انهارا نتيجة ازدياد ذلك العنف الرسمي اعتقادا من السلطة أن العنف قادر على فرض السيطرة السياسية بالقوة وإرهاب الجميع، فكانت النتيجة النهائية أن عنف السلطة دفع البسطاء المسالمين من الفلاحين والهنود الحمر إلى حمل السلاح دفاعا عن أنفسهم في مواجهة عنف الحكومة الذي لا يفرق بين المتمرد والمسالم، وليس على استعداد للاستماع إلى الآخر في الوطن بحثا عن مخرج من دائرة العنف اللانهائية. عين الكاتب الناقدة والفاحصة لم تتوقف عند العنف الذي يلف وطنه كولومبيا، بل التقطت وحللت أيضا الأسباب الخارجية لهذا العنف الذي لم يتوقف منذ أن بدأ منذ ما يقرب من قرن من الزمان، فهناك من لهم مصلحة في زرع هذا العنف والاستفادة منه، فيكشف ماركيز في سيرته الذاتية «أن تعيش لتحكي» سيرة وطنه والأزمة الطاحنة، ويحكي وقائع تؤكد أن هناك من لهم مصلحة في هذا العنف دون أن يحّمل تلك الجهات المسئولية وحدها عن عنف بلاده السياسي، لكنه يكشف وقائع تؤكد أن هناك من يمارس الحروب بأيدي الآخرين، أو مستغلا ظروفا اقتصادية واجتماعية هيأها بنفسه ليحصل على سواعد تحارب نيابة عنه، ثم ينسب إلى نفسه الانتصارات، وهي لحسن الحظ انتصارات كاذبة لا تكاد تتخطى حدود أفلام هيوليوود العسكرية التي سئمها الجمهور من كثرة ترديد أسطورة تفوق الجندي الاميركي. إذا كانت الولايات المتحدة تحشد اليوم على تخوم أوطاننا جيوشا من الجنود، اغلبهم من الملونين، بادعاء انهم اميركيون، أو أنها تحاول أن تقنع الآخرين بدعوى الاستفادة من ثروات البلاد المطلوب تدميرها كالبترول العراقي الذي أعلنت بلا خجل على لسان رئيسها جورج بوش الابن أنها على استعداد لتقاسمه مع من يشارك بجنوده في الحرب والانتصار نيابة عن الاميركيين، فإنها لا تفعل جديدا، فقد حشدت من قبل قوات حاربت نيابة عنها في الفلبين وكوريا وفيتنام، بل وفي حرب الخليج الثانية، وليس من الصعب اكتشاف أن معظم القوات الاميركية التي قاتلت في تلك الحروب منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الآن كانت تعتمد بشكل أساسي على «مرتزقة» أجانب، يبدو أنهم متطوعون للقتال تحت علم الولايات المتحدة «المخطط والمنجم»، ولكن الحقيقة انهم كانوا ضحايا مرتين: الأولى عندما تدخلت الولايات المتحدة في بلادهم ناشرة العنف السياسي تحت شعار «مكافحة الشيوعية» الذي استبدلوه اليوم بشعار «مكافحة الإرهاب»، ثم سقطوا ضحايا أكاذيب اميركية حول إمكانية حصولهم على جنسيتها بعد الحرب، إن هم خرجوا منها أحياء، أو الحصول على مكافآت مادية ورعاية لهم بقية حياتهم، وهي وعود لا تتحقق أبدا. يكشف لنا ماركيز في أحد فصول سيرته الذاتية عن بعض تلك الأكاذيب الاميركية التي راح ضحيتها الآلاف من مواطنيه الكولومبيين الذي صدقوا الوعود الاميركية وذهبوا إلى كوريا ليحاربوا نيابة عن الجيش الاميركي، وعندما انتصروا للولايات المتحدة منحتهم «أوسمة وأنواط شرف» لا تكاد تكفي لمنح صاحبها غذاء يوم واحد خبزا بلا إدام، وان كان بعضهم قد حصل على مكافأة مادية فأنها جاءت وبالا على وطنهم كولومبيا قبل أن تكون استفادة لهذا الوطن الذي هربوا منه بعد أن حوله زبانية الولايات المتحدة إلى سجن كبير. بعد أن يقدم جابرييل جارثيا ماركيز رؤيته للعنف في بلاده، وأسباب هذا العنف الرسمي المدعوم اميركيا حتى يسهل السيطرة على البلاد، وكيف أن هذا العنف السياسي الرسمي حوّل الملايين من مواطنيه الفلاحين إلى لاجئين يعيشون على هوامش العاصمة بوجوتا، وغيرها من المدن الأخرى، بحثا عن طعام مفتقد، وكيف حولهم هذا الوضع إلى فريسة سهلة لصائدي المرتزقة لحساب الجيش الاميركي. تم هذا تحت سمع وبصر السلطات الرسمية، لأن تجنيد هؤلاء التعساء كان يتم في البداية لحساب الجيش الكولومبي الرسمي، بل ويتلقون تدريبهم على أيدي خبراء اميركيين، ثم يتم إرسالهم للقتال في الحروب الاميركية على سبيل «الإعارة»، ولكنهم ما أن يعودوا إلى الوطن، حتى ينبذهم الجيش الكولومبي ويلقي بهم إلى شوارع المدن الكبرى ليتحول المرضى منهم إلى متسولين، أو إلى مجانين يمارسون الفساد تطبيقا للنظرية الاميركية في الحروب، وهي استباحة كل شئ واعتباره غنائم حرب حتى البشر. أدلة موثقة ثم يركز ماركيز على وقائع معينة تؤكد روايته، وتمنحها مصداقية تفتقد إليها الوثائق الحكومية الرسمية، ومن هنا تكون سيرته الذاتية شهادة واقعية ليس على ما عاشه في محيطه الاجتماعي فقط، بل في كل ما مر بحياته من أحداث سياسية وطنية: لها صفة المحلية أو الدولية. يقول ماركيز أن الصحافة في بلاده اكتشفت فجأة مأساة ظلت تنمو في صمت وبعيدا عن الأعين ودون أن ينتبه إليها أحد إلى أن حطمت الحصار المفروض عليها، عندما نشرت في فبراير 1954 أن واحدا من المحاربين القدامى في الحرب الكورية -التي خاضتها الولايات المتحدة بجنود أجانب من بينهم بعض الكولومبيين المخدوعين بالوعود الاميركية- باع نياشينه الرسمية ليحصل على طعامه، كان فقط واحدا من اكثر من أربعة آلاف تم تجنيدهم بالصدفة في لحظة من اللحظات الغريبة في تاريخ كولومبيا، وبالطبع في تاريخ بلاد أخرى عاشت ظروف كولومبيا. عندما كانت أي جهة افضل من لا شئ بالنسبة للفلاحين المطرودين تحت وابل الرصاص من أراضيهم بسبب العنف الرسمي. فالمدن غصت بالسكان المهاجرين ولا تقدم لهؤلاء أي أمل في حياة افضل. وكولومبيا، كما قيل في كل يوم تقريبا، في المقالات الافتتاحية، وفي الشوارع والمقاهي، والحوارات العائلية، لقد تحولت كولومبيا نتيجة للعنف الرسمي إلى جمهورية مستحيل الحياة فيها. وبالنسبة للكثير من الفلاحين المهاجرين والشباب الهاربين إلى هوامش المدن فان القتال في الحرب الكورية في صفوف الجيش الاميركي كانت الحل لمشاكلهم الشخصية. وهناك كان كل شئ متداخل، ولم يكن مطلوبا من المتطوع سوى التمتع بجسد صحيح، تقريبا في نفس الظروف التي جاء فيها الإسبان لاكتشاف اميركا. وعند العودة إلى كولومبيا، فان هذه المجموعة غير المتجانسة تم تسميتها اسما عاما «المحاربون القدامى». ويشير ماركيز في سيرته الذاتية إلى أن سمعة هؤلاء المحاربين في صفوف الجيش الاميركي كانت سيئة إلى درجة أنه كان يكفي أن يقوم أحد هؤلاء القادمين من الحرب الكورية بالدخول في معركة تافهة حتى يتم اتهام جميع هؤلاء المحاربين في صفوف الجيش الاميركي الغريب بالمسئولية عن الجرائم التي يرتكبها آخرون. لأن السلطات الحكومية التي جندتهم لحساب واشنطون ليقاتلوا لها معاركها أغلقوا أمام هؤلاء العائدين من الحروب الاميركية أبواب العمل بمبرر سهل وهو انه ليس لهم حق العمل لأنهم غير متزنين عقليا، أي أن الحكومة التابعة والعميلة للولايات المتحدة تقدمهم هدية للجيش الاميركي ثم ترفض استعادتهم لأنهم مجانين، أو أنهم تعلموا الجنون في الجيش الاميركي. وبالمقابل، لم يبك أحد على الذين ضحوا بحياتهم وعادوا في ألفي رطل من الرماد بعد أن أحرق الاميركيون جثثهم بدعوى الخوف من انتشار الأمراض الناتجة عن تحلل جثثهم، ولكن الحقيقة كان الحرق تخفيفا على عبء حملهم في الطائرات الاميركية لأن أعدادهم كانت كبيرة والقتلى منهم عددهم كبير. نبأ رهن النياشين الذي نشرته الصحافة الكولومبية وسجله جابرييل جارثيا ماركيز في سيرته الذاتية كشف عن الوجه المرعب لنبأ آخر منشور قبله بعشرة اشهر، عندما عاد آخر المحاربين القدماء إلى البلاد بما يقرب من مليون دولار من الدولارات الاميركية الورقية، وعند استبدالها في البنوك انخفض سعر الدولار في كولومبيا من ثلاثة بيزوات وثلاثين سنتميا للدولار الواحد إلى بيزوين وتسعين سنتيما، أي أن هذا المرتزق استخدمته الولايات المتحدة مرتين: الأولى ليقاتل نيابة عنها في كوريا، والثانية ليدمر اقتصاد بلاده لصالح الولايات المتحدة (!). مأساة وطن هذا الحدث الذي أثار المواطنين وأصابهم بالاشمئزاز زاد من عزلة المحاربين القدامى عند مواجهتهم للواقع في البلاد، على الرغم من أنه قبيل عودتهم نشروا أنباء عن انهم سيحصلون على منح خاصة للدراسة وانهم سيحصلون على رواتب تقاعد مدى الحياة وتسهيلات لمن يريد منهم أن يقيم في الولايات المتحدة. والحقيقة كانت العكس تماما: بعد قليل من وصولهم تم إبعادهم من الجيش، ولم يبق أمامهم سوى ما تبقى في جيوبهم ومعظمهم لم يبق في جيوبهم سوى صور الفتيات اليابانيات اللاتي كن يتلقين بهم في معسكرات الاستراحة في اليابان، التي كان الاميركيون يغرونهم بها، حيث كانوا يبعثون بهم على فترات خلال الحرب، أي كان الاميركيون يعلمونهم القتل والدعارة. كان من المستحيل أن يتجاهل ماركيز تلك المأساة الوطنية إلى ذكرته بجده الكولونيل المتقاعد ماركيز، الذي انتظر انتظارا أبديا وصول راتبه التقاعدي كمحارب قديم. وتأكد من خلال ما حدث مع من حاربوا إلى جانب الاميركيين أن حالة جده عقابا للكولونيل لأنه دخل حربا دموية ضد سيطرة المحافظين، الموالين للاميركيين. العقاب الحكومي حل بالأحياء الذين نجوا من الموت في الحرب الكورية على الرغم من أنهم حاربوا تحت شعار الحكومة الكولومبية المحافظة نفسها، وهو شعار مستعار من الولايات المتحدة وبدعواه تم خداع الكولومبيين للقتال بعيدا عن بلادهم وفي حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فقد حاربوا هؤلاء تحت شعار «مكافحة الشيوعية»، ولكنهم في الحقيقة قاتلوا دفاعا عن السيطرة الإمبريالية للولايات المتحدة الاميركية. اليوم يعيد التاريخ نفسه، فمنذ أن بدأت الولايات المتحدة الدفع باتجاه إشعال حرب خليج ثالثة بدعوى نزع أسلحة العراق على الرغم من الإعلان المتكرر عن أن البترول في مرحلة ما بعد صدام سيكون من نصيب الدول التي تشارك في هذه الحرب، بدأت الولايات المتحدة حملة تجنيد بين المهاجرين اللاتينيين الذين يمارسون أحط الأعمال في الولايات المتحدة بوعود خادعة، تشبه تلك التي خدعت بها المتطوعين في الحرب الكورية قبل نصف قرن، فالوعود تتحدث عن حصولهم على وظائف ومعاشات ورواتب وضمانات وتأمينات تقيهم شر الحاجة إن هم خرجوا من تلك الحرب أحياء، ستكون في النهاية مجرد وعود، لأنها ستلحق بسابقتها من وعود تلقاها من شاركوا في حروب الماضي نيابة عن الاميركيين. من يقرأ سيرة ماركيز الذاتية لا يدهشه فقط صدق الكاتب في رواية الواقع الذي عاشه خلال فترتي الطفولة والشباب، بل يدهش من سماع حكايات ماركيز عن أحداث يراها تقع اليوم أمام عينيه، وتؤكد أن التاريخ لا يعيد نفسه فقط، بل يبدو كما لو كان التاريخ ساكنا في مكانه لا يتحرك على الرغم من مرور السنين. ـ كاتب مصري