الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 في احدى الدورات التدريبية الاذاعية، نبهت احد المتدربين إلى خطأ نحوي في القائه لقصيدة، فحاول تبرير الخطأ قائلا: ألا يمكن اعتباره من «الضرورات الشعرية»؟ طبعا شرحت له ان الشاعر ليس «على رأسه ريشة» تبيح له خرق قواعد اللغة كما يشاء، بل انه اكثر الناس التزاما بها، الامر الذي جعل كلامه ـ قديما ـ حجة يستشهد بها. وبينت له ان «الضرورات الشعرية» مواضع وحالات اجاز الشعراء لانفسهم او اجيز لهم فيها ان يخالفوا بعضا معيناً ومحدوداً من القواعد غير الرئيسية في النحو والصرف، وذلك لاسباب اهمها: الحفاظ على الوزن الموسيقي للشعر، او قافيته، وتمليح الاسم المنادى.. وهي على كل حال نادرة في شعر فحول الشعراء، بل انني اكاد احس في لجوئهم النادر الى تلك الضرورات شيئاً من استعراض القوة والثقة، وخيلاء التضلع من اللغة. اقول ذلك وفي ذهني قول المتنبي: فسرت وقد حجبن الشمس عني وجئن من الضياء بما كفاني والقى الشرق منها في ثيابي «دنانيراً» تفر من البنان ولا احسب لجوء المتنبي إلى الضرورة الشعرية، وتنوينه لكلمة «دنانير» الممنوعة من الصرف، عجزا او قصورا، وهو القائل تيها بتضلعه: انام ملء جفوني عن شواردها ويسهر القوم جراها ويختصم المهم انني وعدت فتانا المتدرب ان تكون «الضرورات الشعرية» موضوعا لخواطر هذا الاسبوع، وهو ما أفى به الآن. «الضرورات الشعرية» انواع ثلاثة من التغيير في الكلمات او الاحكام، اما بحذف حرف منها، او زيادة حرف فيها، او تغيير شيء من الاحكام المصطلح عليها. فأما في مجال الحذف، فيجوز للشاعر ان يقصر الاسم الممدود فيقول مثلا: «الصفا والوفا والدما» بدلا من «الصفاء والوفاء والدماء»، كما في قول الشاعر: فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ولكن على اعقابنا تقطر «الدما» كذلك يجوز للشاعر تخفيف الحرف المضعف اي المشدد في الكلمة، كما في تخفيف حرف الميم في كلمة «ألمّ» في قول الشاعر: لم يطل ليلي ولكن لم انم ونفى عني الكرى طيف «ألم» ومن هذا النوع ايضاً ترخيم الاسم المنادى، اي حذف الحرف الاخير فيه، كنداء «فاطمة» بـ «فاطم» في قول الشاعر: «أفاطم» مهلا بعض هذا التدلل وان كنت قد ازمعت صرمي فأجملي واما في مجال الزيادة، فللشاعر مد الاسم المقصور، ومن ذلك مد الشاعر كلمة «غنى»، لتصبح «غناء» في قوله: سيغنيني الذي اغناك عني فلا فقر يدوم ولا «غناء» ومن الزيادات تشديد حرف مخفف، كتشديد «الميم» في كلمة «الدم» في قول الشاعر: اهان «دمَّك» فارغم بعد عزته يا عمرو بغيك اصرارا على الحد ومن اشهر الزيادات صرف الممنوع من الصرف، كصرف ابي العلاء المعري لكلمة «منازل» في قوله: قد خف بالجهل اقوام فبلغهم «منازلا» بسناء العز تلتفع ومثل ذلك تنوين المنادى المبني على الضم، كتنوين كلمة «مطر» الاولى في قول الشاعر: سلام الله يا «مطر» عليها وليس عليك يا مطرُ السلام ومن الزيادات ايضاً زيادة احد حروف الاشباع، كقولهم «الدراهيم» بدلا من «الدراهم»، وزيادة اداة تعريف الاسماء «الالف واللام» في الفعل المضارع، كما في قول الشاعر: ما انت بالحكم «الترضى» حكومته ولا الاصيل ولا ذي الرأي والجدل أما في مجال التغيير في خصائص الكلمة والاحكام، فللشاعر وصل همزة القطع، وقطع همزة الوصل، كما في وصل المتنبي همزة «ان»، وهي همزة قطع، في قوله: ولو «ان» الحياة تبقى لحي لعددنا اضلنا الشجعانا ومن التغييرات ايضا تحريك الفعل المضارع المجزوم، والفعل المبني على السكون، بالكسر، كما في قول الشاعر: اشارت بطرف العين خيفة اهلها اشارة محزون ولم «تتكلمِ» وقول عنترة العبسي: ولقد شفى نفسي وابرأ سقمها قيل الفوارس: ويك عنتر «اقبلِ» ومن التغييرات كذلك فك ادغام حرف في الكلمة، كما في قول الشاعر: الحمد لله العلي «الاجلل» انت مليك الناس ربا فاقبل واخيرا، فانه من الثابت ان «الضرورات الشعرية» لا تمس قواعد اللغة الاساسية في النحو والصرف، كما انها قليلة الاستعمال، بل نادرة، لا يلجأ اليها الشعراء الا عند «الضرورة».