الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 اخيراً سقطت كل الأقنعة الأميركية الزائفة، وتم الاعلان رسمياً ان هناك احتلالاً أميركياً قادماً للعراق، وأن النفط العراقي سيكون أمانة أو وديعة لدى جيش الاحتلال، وان هذا الاحتلال كما اعلن كولن باول وزير الخارجية الأميركي بنفسه قبل يومين سيظل موجوداً بقبضته الغليظة على الأوضاع حتى اشعار آخر لا يعرف احد مداه الا العصابة الصهيونية التي تحتل رسمياً البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس. اما كل ما يقال عن نزع أسلحة الدمار الشامل، أو المحاولات اليائسة في الوقت الضائع لدول الجوار، أو النفي الرسمي العربي الممل بعدم المشاركة في العدوان سراً أو علناً فهو من قبيل السيناريو المعد سلفاً والذي يشبه المسلسلات العربية الرديئة والممطوطة والتي يمكن التنبؤ بنهايتها من المشهد الأول! ومن فرط سذاجتنا كعرب نصدق أن المفتشين الذين ضغط الجميع عرباً وأجانب كي يعودوا إلى العراق لنزع الحجج الأميركية ـ هم فعلاً محايدون ويتبعون الأمم المتحدة، ويتمتعون بقدر ولو محدود من النزاهة والمهنية، حتى تكشفت الامور علناً، وتبين انهم محض جواسيس... عندما اعلن العراق ذلك قبل اسابيع متهماً اياهم بالتجسس، اعتقد كثيرون منا نحن العرب أن الأمر لا يعدو كونه ضغطاً عراقياً مبالغاً فيه، ثم ثبت بالفعل أن ما اعلنته بغداد كان هو الحقيقة بعينها. فعندما تنفرد إحدى المفتشات بعالم نووي عراقي هو فالح حسان حمزة لمدة دقائق وتطلب منه ان يكون جاسوساً رسمياً وينشق على حكومته عارضة عليه الأموال والسفر للخارج ومعالجة زوجته، فماذا يكون ذلك؟ وعندما يتجاوز الأمر مجرد اغواء عالم إلى محاولة تجنيد شخص بحجم عامر السعدي المستشار في ديوان الرئاسة العراقي، والمسئول الرسمي عن العلاقة بين المفتشين والحكومة العراقية، لكي ينشق على حكومته ويصبح جاسوساً أو حتى يلعب دور قرضاي العراق، فما معنى ذلك؟ وعندما يصبح الهم الرئيسي لواشنطن ولندن هو اخراج العلماء العراقيين من بلادهم إلى قبرص أو اي مكان آخر، فالمعنى الرئيسي ان أميركا لا تبحث عن اسلحة دمار شامل، وربما لا تعرف اذا كانت هناك اسلحة آم لا... هي فقط تبحث عن جواسيس بهدف الحصول على أي اعترافات حتى لو كانت كاذبة، بهدف استغلال ذلك كذريعة لتنفيذ العدوان. مشكلة أميركا من البداية مع العراق انها تعاملت معه انطلاقاً من مبدأ الجواسيس وليس بهدف اقامة نظام ديمقراطي تعددي يخدم حقوق الانسان كما تزعم، ومن لا يصدق عليه بمراجعة طريقة المعالجة الأميركية للملف العراقي منذ انتهاء حرب الخليج الثانية في فبراير 1991. فالشواهد تقول ان واشنطن وعندما بدأت الاتصال والتنسيق مع المعارضة العراقية المقيمة في الخارج تجاهلت كل رموز هذه المعارضة الوطنية التي تجاهد من اجل عراق ديمقراطي، ولم تتبن سوى العملاء منهم، بعضهم معروف بأنه «مجرد لص بنوك» وآخر ـ ويا للعجب ـ يزعم انه مفكر ويتولى منصباً في الادارة الأميركية، ودعا علناً إلى وضع بند في الدستور العراقي المقترح يعطي للشواذ حقوقاً! وثالث يحلم باقامة ملكية دستورية، ورابع يعمل لمصلحة دولة مجاورة بغض النظر عن مصالح بلده. قد يقول البعض ان واشنطن تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية العليا أو حتى تحقيق مصالح الصهيونية العالمية، وبالتالي فإنها تلجأ إلى أي وسيلة حتى تحقق غايتها، لكن المصيبة الكبرى هي: ماذا فعلنا كعرب ونحن نرى بأعيننا مسلسل امتحان كرامتنا على الهواء مباشرة وبصورة سافرة؟ المحزن في الأمر ان العالم من شرقه إلى غربه يعج بالمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات ضد أميركا وبريطانيا، وكل ما فعلناه نحن هو بضعة احتجاجات بعضها لم يزد عدد المشاركين فيه على مئة شخص في دولة عربية محورية كبرى. نسمع ونقرأ ان المفتشين الجواسيس اقتحموا مسجداً عراقياً وسألوا الامام عن عدد المصلين في صلاة الجمعة، ونتعامل مع الامر باعتباره شيئاً يجري في كوكب آخر! أميركا وفي ظل كلام باول الأخير، حسمت أمرها على احتلال العراق سواء عبر عدوان عسكري، أو على طبق من ذهب اذا تم اقناع صدام حسين بفكرة المنفى، كي يتولى الجواسيس ادارة العراق تحت اشراف واشنطن. وبدون تحرك عربي فاعل يبحث عن طريق ثالث يعود فيه العراق لكل العراقيين بعيداً عن همجية واشنطن أو سوء ادارة صدام فإن السيناريو المستقبلي لن يكون مفاجئاً لاحد، حيث ستكرر واشنطن نفس الامر مع ايران ثم مع سوريا وبعدها مع الجميع، وعندها ربما ستقرر تعيين جاسوس برتبة مفتش لكل عربي أو مسلم يصاحبه في النوم والصحو، يسأله عن كل شيء، ويفتش في نواياه ويعلمه كيف يصلي على الطريقة الأميركية! وكيف يتعامل مع زوجته وكل شئون حياته. لعن الله كل من أوصلنا إلى هذه الحالة المهينة التي صار فيها الجواسيس يتم ترشيحهم علناً كي يصبحوا حكاما! emadiraqi@yahoo.com