الخميس 20 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 23 يناير 2003 منذ غابت ليلى عن واقعنا، لم نعد نحارب، وان حاربنا لا ننتصر، ليلى في الأغلب الأعم كانت حلما شفيفا، يتسلل الى أعماق الروح، يجبر الرجل على ان يكون رجلا بحق، شهما وكريما وانسانا وبطلا. أما ليلى الآن فقد أصبحت دمية، فاقدة الروح .. بعد خيال أصبحت في متناول اليد، جسدها بعد ان كان مغطى ينتقل بالانسان الى جزيرة من الخيال، أصبح عريانا ومبتذلا، كشف عن نفسه، فأحرق أوراقه دفعة واحدة. لذلك فقدت المشاعر الانسانية حيويتها، وضخت كل دمائها في شرايين الغريزة التي سرعان ما تشبع، دون ان تساعد في تكوين انسان، مكتمل الانسانية. ليلى الآن في متناول اليد، وما يصبح في يد الانسان يفقد بهجته وروعته وألقه وسحره، ويتحول الى مجرد شيء كبقية الاشياء. هناك علاقة وطيدة بين الحب والحرب على امتداد التاريخ، احيانا يقود الاول الى الثانية، احيانا اخرى يعطي معناها، وثالثة يكون ظلها .. هذه العلاقة ربما دفعت الحضارة العراقية القديمة الى اختيار الهة واحدة للحب والحرب أسموها عشتار وبقيت أطلال معبدها حتى اليوم في مدينة نمرود القديمة شمال العراق. كما حفظ التراث الشعبي العربي رسم الحمامة على الزند، ولا تزال هذه العادة مستمرة حتى اليوم، وليست الحمامة المرسومة الا تذكيراً بها كإلهة للحب والحرب عند الكنعانيين. وظلت البادية العربية على عفويتها تنتج عشاقا فرسانا أو فرسانا عشاقا، كلما عظم عشقهم كشفت فروسيتهم عن ذاتها كأروع ما تكون. تقريبا لم نعرف في التراث العربي عاشقاً عظيماً إلا وكان فارسا أعظم من المهلهل بن ربيعة (الزير سالم) مرورا بعنترة العبسي الذي استعبده الحب حين فشل الرق في استعباده، وحتى الذين اصيبوا بالجنون جراء عشقهم كانوا فرسانا قبلها .. وتقريبا كان تراث الحضارات الاخرى القديمة على نفس الدرجة من التلازم بين الحب والحرب. عنترة بن شداد في وسط الموت يعيش لحظة هيام ليست استثنائية في سيرة حياته وينشد: فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم المحبون في التراث العربي ليسوا كسالى ولا وضيعي الاصل والنسب، ولا جبناء حينما تحين ساعة الوغى، وانما خفاف كالطير، قلوبهم رقيقة مثل نسمة هواء، وصارمة مثل حد سيف، حتى مواصفاتهم الجسدية لا تقود إلا الى الخفة والسرعة والنشاط. لا يعرف الحزن إلا كل من عشقا وليس من قال اني عاشق صدقا للعاشقين نحول يعرفون به من طول ما حالفوا الأحزان والأرقا لم نعرف عاشقا حقيقيا مصاباً بالسمنة ولا يعاني ثقل الوزن بل عادة يكون العشاق مثل الطيور، لهم اجنحة من خيال يحلمون بالمستقبل، ويكافحون في سبيل جعله افضل واروع. وليست التضحية بالروح الا ثمنا لحب .. والحب لا يتجزأ، من يقدر على حب وطنه ينشغل بليلى، ومن تغب ليلاه لا يفكر الا في ذاته .. وكفاه ذاته. نزار قباني واحد من الشعراء الكبار الذين يلمسون وتر هذه العلاقة الشفيفة، بين ما يعتقده البعض متناقضين، حيث الحب يعني الحياة، والحرب في نظر كثيرين تعني الموت، غير ان كليهما حياة .. الأولى حياة للذات، والاخرى تضحية بالروح من أجل ان يحيا الآخرون حياة أكرم. في قصيدته ملاحظات في زمن الحب والحرب التي كتبها نزار بعد انتصار عام 1973 يقول لحبيبته: ألاحظت شيئا ألاحظت أن العلاقة بيني وبينك في زمن الحرب تأخذ شكلا جديدا وتدخل طورا جديدا وأنك اصبحت أجمل من أي يوم مضى وأني أحبك اكثر من اي يوم مضى ألاحظت كيف اخترقنا جدار الزمن وصارت مساحة عينيك مثل مساحة هذا الوطن نزار الذي يعني في نظر الكثيرين، شاعر المرأة، المهموم بعاشقاته والساعي وراءهن من عاصمة الى عاصمة، ومن شاطيء الى آخر، هو اعذب من غنى للوطن، لأوجاعه وانتصاراته، هو من حاول ان ينشر بذور الثورة لتغير واقعنا الرديء، لكننا اتهمناه. طالعت كثيرا مما كتب عن الانتفاضة الباسلة ولم اجد اعذب ولا ارق مما كتبه نزار عنها يرمي حجرا يبدأ وجه فلسطين يتشكل مثل قصيدة شعر يرمي الحجر الثاني تطفو عكا فوق الماء .. زجاجة عطر يرمي الحجر الثالث تطلع رام الله بنفسجة من ليل القهر يرمي الحجر العاشر حتى يظهر وجه الليل . ويظهر نور الفجر يرمي حجر الثورة حتى يسقط آخر فاشستى .. من فاشست العصر يرمي .. يرمي يرمي حتى يقلع نجمة داود .. بيديه ويرميها في البحر. هل انكسرنا في حروبنا لأننا لم نعد نعرف كيف نحب، نذوب، نعشق، نحس ان قلوبنا ورود تحتاج من يقطفها، وسيوف اذا ما طمع عدونا فينا؟ المسألة بحاجة الى بعض التأمل .. فربما الدواء لما نحن فيه من أمراض .. في متناول يدنا لكنا لا نملك القدرة على رؤيته. القدامى أحبوا فأصبحوا فرسانا وعشقوا فتحولوا الى أبطال ومغاوير بحق لا مغاوير بالكلام. من يستطيع الآن ان يزرع الارض بليلى وأخواتها من جديد، حتى تعود الينا رجولتنا الضائعة؟