الخميس 20 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 23 يناير 2003 لم يدق بعد إلى الآن ناقوس الخطر القادم بشأن ما يجري تجاه العراق عند أغلب الرسميات العربية، ومازال التعاطي العربي مع الملف المطروح يتم بوتيرة لا متسارعة، ومحفوفاً بمنطق الاستجداء، ودون المستوى المطلوب، ولم يرتق إلى مستوى ما أحدثته المظاهرات والمسيرات التي عمت وتعم العالم بأسره، خاصة في العواصم الكبرى، وداخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها. ولم تستثمر إلى الآن الأجواء والمناخات الشعبية العربية والمناخات الدولية باتجاه اتخاذ خطوة نوعية عنوانها الرفض الكامل لمنطق الحرب، ودعوة مجلس الأمن والأمم المتحدة للنحو بهذا الاتجاه بمساعدة روسيا، الصين، فرنسا، ألمانيا.. التي تتضرر مصالحها كل يوم ليس في الشرق الأوسط فقط بل وفي العالم بأسره جراء سياسات واشنطن، فالمواقف الرسمية العربية متخلفة عن المواقف والتفاعلات الدولية الجارية. وبغض النظر عن حقيقة التزام العراق الكامل بالتعامل مع لجان التفتيش الدولية، وما يجري من اتصالات لنزع فتيل الحرب، فان التصريحات الأميركية وعلى أعلى المستويات تشير بأن العملية العسكرية الأميركية ستكون في حال وقوعها متكاملة الحلقات، يتم استئنافها مرحلة مرحلة حتى الختام « بصوملة العراق» وتفتيته وإسقاط النظام، وفرض وقائع جديدة تدفع نحو توليد ميكانيزمات بشأن قضايا التسوية بين العرب وإسرائيل، تمهد لفرض «تسوية» من الوجهة الأميركية الإسرائيلية على الطرف الفلسطيني والأطراف العربية المعنية، الأمر الذي يشكل حافزا اضافيا أمام الدول العربية لاطلاق حركة سياسية جديدة على المستوى الدولي لمحاصرة مشروع الحرب على العراق. فقد حان الوقت كي يغادر العرب الموقع « الصفري اليتيم» الفاقد للوزن والتأثير نحو موقع أخر يليق بهم وبقدراتهم وبتاريخهم، وبإمكاناتهم المادية المتعددة، وحان الوقت ليمسك العرب بملف العراق، ليقرر عند ذاك شعب العراق خياراته ومصائره بديلاً عن ما يرسم له داخل أروقة وكواليس الديبلوماسية السرية حيث تشاركها المعارضة اللامسئولة التي اجتمعت في لندن بحضور أميركي رفيع المستوى وغياب العراق وعروبته. وبعيداً عن الدور الوظيفي الاستخدامي للأمم المتحدة من قبل واشنطن، وبعيداً عن الدور الفرنسي والروسي الكابح لجماح الاندفاع الأميركي نحو إطلاق شرارة الحرب في الخليج، إلا أن هاتين الدولتين ومعهما الصين واليابان وألمانيا وباقي كتل المجموعات الدولية الكبرى مازالتا بحكم الغائب الأكبر عن رسم مستقبل السياسات الدولية، ومستقبل الحلول لبؤر الأزمات، خاصة في الشرق الأوسط، مع عودة واشنطن إلى انتهاج سياسة انقلابية أكثر وضوحاً في العلاقات الدولية، وعودة ساخنة إلى إعادة صياغة معادلات العلاقات الدولية وتأبيدها بيد القطب الواحد. هذا ما يقع راهناً في التجاذبات الحاصلة بشأن العراق ومسألة «التفتيش» عن أسلحة الدمار الشامل. فالدول الكبرى (روسيا، الصين، فرنسا، ألمانيا..) لها مصالح كبرى في الخليج والشرق الاوسط وتجربة كل منهما المرّة مع واشنطن ـ بريطانيا، تدفع بالدول إياها نحو خطوات عملية ملموسة لحماية مصالحها، وهذا لن يكون إلاّ بإعادة صياغة العلاقات الدولية على قاعدة جديدة في اطار مجلس الأمن الدولي وليس الصفقات الثنائية والثلاثية كما حصل بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ودوران سياسة موسكو بين 1991 ـ 1996 في فلك السياسة الاميركية، وهو ما يشكل أيضاً فرصة ثمينة أمام العرب لوضع خارطة المصالح على طاولة البحث، والتعاطي بشكل متوازن مع واشنطن وباقي أطراف الخارطة الدولية تبعاً لحسابات الربح والخسارة كما هو الحال في العلاقات بين المجموعات والكتل الدولية. وفي هذا السياق فإن صحيح السياسة، وصحيح التحالفات والمصالح يتطلبان عودة عربية فعالة للإمساك بملف العراق. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق