الخميس 20 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 23 يناير 2003 ثمة نقاش، بعضه هامس وخجول، في العالم العربي حاليا عن حال هذا العالم بعد الغزو الاميركي المنتظر للعراق، انطلاقا من انه لا شيء سيء بالمطلق بما في ذلك الغزو المسلح لبلد عربي، فضلا عن ان الوضع الراهن في العراق، وفي غيره من البلدان العربية، ليس مشرقا من ناحية ولا هو مما يجوز الدفاع عنه من ناحية ثانية. بعض النقاش يحاول عقد مقارنة بين الحرب المقبلة هذه وحرب العام 1991 لتحرير الكويت، على قاعدة ان «الهدية» العربية التي انتجتها حرب الخليج الثانية تمثلت في جر اسرائيل مجبرة الى مؤتمر مدريد للتسوية، بغض النظر عن النهاية المأساوية التي انتهى اليها المؤتمر وانتهت اليها تلك التسوية. وراهنا، يقول هؤلاء في محاولة لدعم حجتهم، تبدو واشنطن اكثر تفهما لقضية المنطقة التاريخية (قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي) مما كانت في بداية التسعينيات، بدليل واحد على الاقل هو التزام الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش رسميا في المدة الاخيرة اقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام وامن الى جانب اسرائيل بحلول العام 2005. البعض الآخر يضيف الى ذلك ان قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، على خطورتها وانعكاساتها على شكل ومحتوى ثم على استمرار النظام العربي الراهن حتى الآن، لم تكن قضية العرب الوحيدة في يوم ولا هي كذلك في المرحلة الحالية. مسألة الحريات العامة والديمقراطية السياسية، بما في ذلك التغييب القسري للرأي العام، لا تقل اهمية وخطورة من ناحيتها. وبغض النظر عن أهداف واشنطن الذاتية من تغيير النظام في العراق، وربما لاحقا في غيره من البلدان العربية، واستبداله بنظام آخر ديمقراطي ينبثق من انتخابات شعبية حرة ونزيهة، فان هز النظام العربي بالطريقة والاسلوب اللذين سيتم بهما قلب الأوضاع في العراق لن يكون في محصلته النهائية الا في مصلحة الشعب العربي على طريق مساعدته على ان ياخذ اموره بيديه ربما لأول مرة في تاريخه المعاصر. البعض الثالث، في السياق ذاته واستظلالا بمقولة انه ليس في اليد العربية حيلة، يتشبث بالعبارة التي تقول «رب ضارة نافعة» ليبدأ منها عملية حساب للخسائر.. وربما للارباح.. بعد ذلك، في محاولة منه للموازنة بين حقيقتين اثنتين، هما ان الغد قد لا يكون مشرقا تماما الا ان اليوم ليس مشرقا أبدا بدوره. هذا في جانب من النقاش الخجول والهامس في بعض الدوائر العربية، الفكرية منها بشكل خاص، ولكن الجماهيرية منها ايضا كذلك. أحلام أم كوابيس؟ في الجانب الآخر، والأقل خجلا، يقول البعض ان في مقدمة الاهداف الاميركية من غزو العراق ليس مجرد تغيير النظام فيه، ولاحقا في البلدان العربية الاخرى، بل تغيير العراق اياه ثم العالم العربي عن آخره على طريق اعادة رسم خريطة المنطقة. لن تكون هناك بعد خريطة سايكس ـ بيكو (البريطانية ـ الفرنسية) لما بعد الحرب العالمية الاولى بل خريطة بوش ـ تشيني ـ رامسفيلد (الأميركية فقط) تكريسا لهيمنة امبراطورية القرن الحادي والعشرين وسيطرتها المباشرة على العالم العربي، بما في ذلك اساسا منابع وطرق مواصلات مادتي النفط والغاز اللتين لاتزالان مصدر الطاقة الأول وشبه الوحيد في العالم. تدعيما لهذا الرأي، يعود اصحابه الى المحللين والخبراء الاميركيين الذين، على عكس مسئولي الادارة، لم يعودوا يتسترون على حقيقة ان النفط والغاز هما في صلب العملية العسكرية المقبلة في المنطقة. آخر هؤلاء، بعد كلام صريح من المعلق القريب من الادارة توماس فريدمان في «النيويورك تايمز» قال فيه «نعم انه النفط»، كان الباحث في «معهد وورلد ووتش» في واشنطن، مايكل ريني، الذي كشف في «الانترناشيونال هيرالد تريبيون» في السابع عشر من يناير الجاري ان الواقع أبعد من ذلك وأخطر. هذا الابعد والاخطر يتمثل في أن المستقبل لا بد ان يشهد تراجعا عن «تأميم» صناعات النفط او سيطرة حكومات المنابع عليها، وفي انه حتى المساومات التي جرت بين الدول الخمس الكبرى الاعضاء في مجلس الامن قبل صدور القرار 1441 كانت حول تقاسم الحصص في نفط العراق.. وعبره في نفط المنطقة كلها. وهو يقول بوضوح انه لم يكن ممكنا تحقيق اجماع في المجلس على القرار من دون الاتفاق الذي تم في «الغرف الجانبية» حول ذلك التقاسم في الحصص بين الدول وشركاتها النفطية. ويرى هذا البعض ايضا انه على عكس كل ما يقال عن مستقبل التسوية في المنطقة وموقف ادارة بوش الابن منها بعد غزو العراق، فهذه التسوية لن تكون في ظل هذه الادارة الا تسوية اسرائيلية، بل وليكودية شارونية، بكل معنى الكلمة. والدولة الفلسطينية، بهذا المعنى، لن تكون سوى عبارة عن مجموعة كانتونات منفصلة احدها عن الآخر تحكمها مجالس بلدية (تسمى تشريعية) لا تكون لها سلطة سيادية لا على الارض ولا على الاجواء ولا على المياه الاقليمية، ولا خاصة على المياه الجوفية. سيطلق عليها طبعا اسم «دولة فلسطين»، لكنها لن تقدم للفلسطينيين اكثر من العلم والنشيد الوطني وجواز السفر والعضوية في الامم المتحدة مع ما يتفرع عن ذلك من طقوس وأشكال بروتوكولية. في موضوع الحريات العامة والديمقراطية السياسية، يقول هؤلاء، انها ستكون اشبه بكوابيس الحالمين بـ «حريات» تحملها الدبابات وتنطلق من فوهات المدافع والصواريخ الاميركية.. ليستيقظوا منها وقد ضاعت السيادة والكرامة جنبا الى جنب مع الحريات الموعودة وربما الديكتاتوريات البائدة في وقت واحد. فالحريات تؤخذ ولا تعطى، والديمقراطية تبنى لبنة لبنة، وبأيدي أصحابها الديمقراطيين، ولا تستورد جاهزة من الخارج، خاصة اذا كانت قيم وتقاليد ومفاهيم الخارج المصدر هذا مختلفة، وفي أحيان كثيرة متناقضة، مع قيم وتقاليد ومفاهيم المجتمعات المستوردة. ثم أية ديمقراطية هي هذه الديمقراطية التي ستعم المنطقة العربية منطلقة من متون دبابات اجنبية غازية، اذا كان بات معروفا لبسطاء الناس ـ وليس لعلماء القانون السياسي فقط ـ ان الحريات العامة والانتخابات الشعبية وتداول السلطة الى آخر ما تنص عليه مبادئ الديمقراطية السياسية هي ممارسة وطرق حياة اكثر مما هي حروف سوداء على صفحات بيضاء؟!. ويقول البعض الآخر انه صحيح ان الوضع في العراق، وفي غيره من بلدان المنطقة، يحتاج بعد اكثر من نصف قرن من الزمن الردئ الى هزة ما تحدث تبدلا ما، شاملا او حتى جزئيا، في هذا الوضع. وصحيح ايضا ان كل ما شهدته المنطقة العربية طيلة الفترة الماضية فشل في احداث مثل هذا التبدل، بل انه في حالات كثيرة ادى الى تقوية قبضة الانظمة الحاكمة وتكريس ديمومتها وديمومة ممارساتها القمعية للشعوب، وليس الى تراخيها. الا ان تلك الحقائق ـ ولا يناقش فيها أحد البتة ـ انما تستدعي من الديمقراطيين تصعيد نضالهم من اجل تلك الحقوق، وليس الهرولة وراء قطار العدوان الخارجي على طريق التعلق به تعويضا عن ذلك النضال. تلك هي بعض اوجه النقاش. وهي تطرح السؤال بصورة مباشرة : اين نحن من ذلك؟! بل اكثر، اين ضمير الأمة واين نسيجها الاجتماعي وطموحاتها واحلامها من هذا النقاش؟!. ديمقراطية «التي شيرت» الواقع ان احدا لا يجادل في ان الزمن العربي الراهن ردئ فعلا، وحتى في ان الغد يتجه الى ان يزداد رداءة وسوءا ما لم تتغير امور جوهرية كثيرة فيه، على مستوى المنطقة عموما، وفي كل قطر منها على حدة. الا ان التغيير شيء والتغريب شيء آخر مختلف تماما. هذا الاخير مناقض للتغيير ومعاد له. هو اشبه باختيار الغربة، او الهجرة من الوطن، احتجاجا على اوضاع وظروف سيئة يعاني منها مواطن ما فلا يجد سبيلا سهلا امامه سوى تمزيق هويته وجواز سفره ـ كما فعل بعض الهاربين العرب من دولهم على شواطئ وفي مطارات دول الاغتراب ـ بهدف اكتساب هوية وجواز سفر البلد الجديد. كذلك فالديمقراطية النابعة من اديم الارض ومن النسيج الاجتماعي للشعب شيء، وتلك المستوردة، بل المفروضة من الخارج وبالقوة، شيء آخر مختلف تماما. هذه الاخيرة ديكتاتورية ترتدي رداء عليه كلمة «ديمقراطية» ـ وبالانجليزية ايضا ـ فتكون مثلها مثل ملايين القمصان (تي شيرت) التي تحمل عبارات اجنبية على الصدر والظهر تصدرها الينا دول الغرب ـ وتقلدها بعض مصانعنا ـ فيقبل عليها الشبان العرب لمجرد اتباع الموضة. كذلك هو الحال مع الانظمة التابعة ـ وليس هذا الكلام من عندنا بل من واشنطن ـ التي ينتظر ان تقوم بعد الغزو سواء في العراق او في المنطقة، فهي لن تكون مختلفة الا في الشكل عن الانظمة القائمة حاليا. تلك في خدمة المصالح الخاصة للقادة، وهذه في خدمة المصالح الخاصة للغزاة مع بعض الفتات للحكام الجدد وربما للشعوب. تلك صنيعة الاهواء والرغبات والطموحات الشخصية لافراد، وهذه صنيعة مثل تلك الاهواء والرغبات والطموحات لاشخاص ودول تريد ان تبني سياساتها واقتصاداتها وامبراطورياتها على حساب ثروات وآمال الشعوب الاخرى. ولكن الاخطر والافدح من ذلك كله ان تلك انظمة مهلهلة محكوم عليها بالزوال في النهاية طال الزمن او قصر، بينما هذه صناعة جديدة و«ديمقراطية» هذه المرة مع خاتم انها منتخبة شعبيا بهذا الشكل او ذاك لتملك، في ما تملك، فترة سماح جديدة لزمن آخر جديد وبعمر جديد كذلك. يقول الاميركيون صراحة وعلنا ان هدفهم السيطرة على النفط العراقي، وتاليا على نفط المنطقة العربية كلها، لاستكمال قوس التحكم بالطاقة من الخليج الى بحر قزوين وايران والعراق. ويقولون صراحة وعلنا ايضا ان في مخططهم تنصيب حاكم عسكري اميركي على العراق، ولو لفترة من الزمن تصل الى عام او اكثر، يعمل في خلالها على «تقسيم» العراق الى كونفيدرالية من الطوائف والمذاهب والاثنيات تتقاسم في ما بينها السلطة وما يبقى من الثروة بعد اقتطاع حصة الاسد الاميركية. ويقولون صراحة وعلنا كذلك ان مثل هذا النظام في العراق، ولاحقا في غيره من البلدان العربية، يجب ان يكون حليفا للولايات المتحدة ضمن استراتيجية «من ليس معنا فهو ضدنا» وان ينضم الى الحرب الاميركية المعلنة على «الارهاب» حتى وان كان يختلف مع واشنطن على التمييز بين الارهاب والمقاومة المشروعة من اجل التحرر الوطني وضد الاحتلال. هل من الطبيعي او المنطقي، ان يتلاقى مثل ذلك النقاش، حتى ولو كان هامسا وخجولا، في بعض الدوائر العربية حول «اليوم التالي» لغزو العراق مع هذا الكلام الصريح والعلني في الولايات المتحدة حول «اليوم التالي» ذاته؟! قد يكون من السخف محاولة، مجرد محاولة، الاجابة على السؤال. ـ كاتب لبناني