الخميس 20 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 23 يناير 2003 تدرك الصين تماما أنها في الفترة القريبة الماضية، استهلت عاما جديدا وفي ظل قيادة جديدة. لا يملك المراقب السياسي سوى احترام السلوك السياسي للعاصمة الصينية «بيجين»لأنها لم تبدأ عام 2003 على غرار سلوك مثيلاتها من عواصم الدنيا.. بفرقعة البالونات واحتساء الأنخاب وصخب الاحتفالات المفعمة طيشا ورعونة وحماقة.. ناهيك عن الانكباب على قراءة الطوالع واستفتاء الأبراج.. انجازات مرموقات بدأت الصين عامها الجديد بتسجيل اثنين من الانجازات المشهودة في مضمار العلم والتكنولوجيا: ـ كان الانجاز الأول في ميدان المواصلات ـ السكة الحديد بالذات ـ وقد تجسد ذلك لحظة دخل الى الخدمة العاملة وسيلة مواصلات مستجدة تماما تحمل اسم «شنغهاي ماجليف» (أو قطار الجاذبية) ليكون أسرع قطار من نوعه في العالم.. وفي التاريخ. وتبلغ أقصى سرعة لهذا القطار العجيب 431 كيلو مترا في الساعة.. ولذلك فقد قطع المسافة بين أولى محطاته في المدينة وبين مينائها الجوي الجديد ـ مطار بودونغ في أقل من 4 دقائق فقط لاغير. قطار رأس السنة وللعلم فهذا المشروع البالغ الطموح يأتي نتيجة جهد مشترك بين دوائر الصناعة والتمويل في كل من المانيا والصين ورغم أن عملية قطار رأس السنة كانت تجريبية في طابعها الأساسي، إلا أن القطار الذي يتحرك بقوة الجاذبية يشكل حلما تكنولوجيا طالما راود دوائر شتى في طول العالم وعرضه.. ومنها بالطبع دوائر صينية ترنو الى اليوم الذي يؤدي فيه هذا الانجاز التكنولوجي الى قطع المسافة بين شنغهاي قلب الصين الصناعي النابض وبين بيجين عاصمة البلاد ومقر الحزب والحكومة في نحو 3 ساعات بالقطار.. العجيب.. فيما هي تستغرق حاليا ساعتين بالطائرة. ورغم هذا الاغراق في الطموح المستقبلي.. فها هو الكاتب الانجليزي «جون جيتنجنز« يعلق قائلا: ـ هذا المشروع سيكون هائلا، ولكن بلدا (كالصين) في استطاعته بناء ثلاثة سدود مائية عملاقة لن يتردد ولن يتقاعس عن انجاز مثل هذا المشروع (الجارديان ويكلي، عدد 15 يناير 2003. غزو الفضاء في نفس الميدان التكنولوجي سعت الصين منذ مستهل العام الجديد الى التحول من انجاز أكبر الى انجاز الفضاء.. نجحت في اطلاق الطراز الرابع من مركبات الفضاء بدون طيار التي تحمل اسم «شنزو« وفي إبقائها عبر مسافات شاسعة من كوكب الأرض ولمدة 7 أيام كاملة، كما نجحت في تهيئة مجال الهبوط لتلك المركبات الفضائية وكان في ذلك آية يقدرها المختصون من العلماء ومن السياسيين أيضا على مدى التقدم الذي أحرزته الصين في مجال الرياضيات والفلك والفضائيات (نقصد بداهة علوم الفضاء بكل تعقيداتها ورقي مستواها ومدى تقدمها ولا نقصد بداهة كذلك حكاية القنوات المتلفزة التي أصبحت ـ كما يقولون ـ أكثر من الهم على القلب في السماوات اليعربية دون أن تفيد منها أمة العرب في قليل أو كثير اللهم إلا في تكريس الأمجاد لأهل التمثيل والطرب ولاعبي كرة القدم). مرة أخرى يقول الكاتب الانجليزي الذي أشرنا اليه في السطور السابقة: ـ إن عملية اطلاق هذه المركبات الفضائية وكذلك عملية تسيير قطار الجاذبية (السوبر ـ سريع) جاءت لتعزز حس الكرامة القومية في نفوس أهل الصين. كما أنها تعين على فهم مشروعية التزام الصين بأن تصبح واحدة من قوى الحداثة الفائقة أو التقدم المبهر في القرن الحادي والعشرين. حكاية البطاطس في هذا السياق أيضا تسترجع المقالة التي نشرتها الجارديان ويكلي (العدد السالف الذكر) لمحة من التاريخ العالمي الحديث.. ففي عام 1957 لم تكن الصين الشعبية قد عاشت سوى 8 سنوات فقط من عمر ثورتها الكبرى التي قادها الحزب الشيوعي وأسقط من خلالها نظام كاي تشيك المتهم بالعمالة للغرب ـ الأميركان بالذات ـ (وطرده الى جزيدة فورموزا حيث أنشأ نظام تايوان). في عام 1957 أيضا أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر اصطناعي في تاريخ البشرية تحت اسم «سبوتنيك» وكان ذلك موضع انبهار من العالم وموضع غيره ـ تكنولوجية طبعا ـ من جانب واشنطن، غريم السوفييت وقتها في «أتون» الحرب الباردة.. ولكن كان أيضا موضع تأمل ربما على طريقة فلاحي الصين ـ من جانب الزعيم «ماوتسي تونغ» الذي قال يومها: ـ يا لروعة هذا الانجاز.. أما نحن فلسنا نستطيع أن نضع حتى حبة بطاطس في الفضاء الخارجي.. وربما كان الزعيم «ماو» يشير الى أن أجندة الصين كانت تحفل بأولويات أهم وأولى بالرعاية.. وربما كانت مقتضيات الدفاع في مقدمة تلك الأجندة من الأولويات أو الاهتمامات. الأولوية للدفاع والحاصل أن الصين دأبت عبر العقود الثلاثة التي تلت اطلاق القمر «سبوتنيك» على وضع قضايا الدفاع وتطوير التسلح في صدر أولوياتها القومية وكان محور تلك الاهتمامات هو قيام بيجين بتطوير قدراتها النووية بما أتاح لها في نهاية المطاف أن تدخل نادي الاحتكار الذري من ناحية وأن تحوز القدرة على اطلاق قذائفها وصواريخها النووية البعيدة المدى تعبر المجالات القارية للكرة الأرضية لتهدد موسكو أو واشنطن من ناحية أخرى. كان ذلك أبان الحقبة الأخيرة من الحرب الباردة في عقد الثمانينيات. ولكن مع نهاية الحرب الباردة وزوال القطب السوفيتي تحولت الاهتمامات والقدرات الصينية من التركيز على مجال الدفاع الى اعادة استثمار الامكانات العلمية والتكنولوجية الصينية لخدمة برنامج الفضاء الصيني.. كان ذلك على وجه التحديد في عام 1992 وقد تعاصر ذلك بدوره مع ما ظل المحللون يصفونه بأنه «الانفجار الانمائي» في الصين بمعنى دخول الصين في مرحلة جديدة من تدافع نموها الاقتصادي الى حيث سجل معدلا يرقى الى نحو 12 في المائة سنويا وهو معدل مرموق بكل المقاييس. لا عجب أن أصبح من حق جريدة «صوت الشعب« الصادرة في بيجين أن تنشر أخبار الاطلاق الفضائي الذي عرضنا له تحت عناوين بارزة نشرتها يوم أول يناير 2003 قالت فيها: ـ التحليق نحو الفضاء ـ والخليق صوب المحد. ـ الروح الوثابة تخلق روحا وثابة متجددة. ولعل الحديث عن هذه الروح الوثابة تلمس وتر الطموح القومي الذي يراود الوجدان الصيني.. حيث يتطلع أهل هذا البلد الآسيوي الكبير (أكثر من مليار وثلث مليار من البشر) الى استضافة دورة الأولمبياد العالمية عام 2008 في عاصمتهم بيجين بما يؤدي اليه ذلك من تعزيز حس الكبرياء الوطني. العرب بحاجة للمستقبل نريد أن نقول ـ من وجهة نظر عربية قومية ـ إن أي حديث عن العزة القومية أو الأمجاد الوطنية ينبغي أن يتجه الى آفاق المستقبل بالدرجة الأولى (وهو عكس الحديث الماضوي السائد في كثير من ربوع العالم العربي حيث تلوك اللسان.. تزيد وتعيد في أمجاد حضارة كانت باذخة حقا وكانت حافلة بانجازات مرموقة بكل تأكيد.. ولكنها كانت من صنع أجدادنا الذين خدموا زمانهم وطوروا عصرهم وتألقوا وسط العالم الذي كانوا يعيشون بين ظهرانيه في ظروف الصين ومشاكلها ما يمكن أن يقارن ـ موضوعيا ـ بظروفنا في العالم العربي ومن ثم فالمقارنة يمكن أن تكون مفيدة إن لم تكن لازمة واجبة. مجتمعها ظل يغالب التخلف وما برح يقاومه من حيث الأمية وتدني أدوات الانتاج ووراثة تركة مقيتة من عهود الاستعمار والاقطاع والاستبداد الشرقي فما بالك بحداثة عهد التحول (منذ عام 1949) وما بالك أيضا بما اكتنف تحولات الصين في ظل حقبة ماو من أخطاء واختلالات لم تقعد همّة الصين كي تتفرغ لهجائها أو التنديد بها.. بل انصرفت همتها الى النظر الى تلك الأخطاء بوصفها دروسا مستفادة من عبرة الاجتهاد البشري. من 65 يوما لهذا أصبح من حق الصين أن تدخل سنوات القرن الجديد في أهاب مستجد وبوعود طازجة خاصة في ضوء التركيبة ـ الطازجية بدورها التي شهدتها منذ الفترة القريبة الماضية عاصمتها بيجين. هذا ينقلنا الى القيادة التي تسلمت زمام الأمور منذ 65 يوما في عاصمة الصين. هي القيادة ـ الشابة نسبيا ـ التي يجسدها زعيمها الجديد، «هوجنتاو» عندما أمسك «جنتاو» بمقاليد الأمور في بلاده أشفق عليه المراقبون ومحللو السياسة، وساعتها وصفوه بأنه ملاح يشق طريقه وسط أنواء وسحابات من ضباب يخيم عليها ظل سلفه الزعيم السابق جيانج زيمين الذي خلف له تركة تجمع بين اداء اقتصادي مرموق حقا وبين المشاكل التي ما برحت تنوء بها مجتمعات في مثل ظروف الصين وربما تواجه كل المجتمعات في هذا الزمن العالمي الصعب ـ مشاكل من قبيل البطالة المتفاقمة والتفاوت الطبقي والمعيشي بين فئات الشعب ثم الفساد ـ خراب الذمم وانحراف السلوكيات في مجال الشأن العام. لن يعيش في جلباب الزعيم ويبدو أن زعيم الصين الجديد يحسب خطواته جيدا ويبدو أيضا أنه يوازن بين ايقاع الأحداث ورهافة التوازنات السياسية وبين تلك الخطوات التي يتخذها بأسلوب وئيد متزن ومدروس لكي يبني أو يرسم لنفسه ولزعامته صورته الخاصة به حتى لا يظل يعيش في جلباب سلفه زيمين. لقد تقاعد السلف في نوفمبر الماضي وتسلم منه الخلف جنتاو ولما تبد عليه آثار بلوغه سن الستين بل طلع على الناس في تسريحته وبدلته الأنيقة وهو يعكس ـ في الصورة وفي الإيماءة ثم في مضمون الخطاب السياسي ـ رونقا ولو نسبيا من عافية وتجدد وشباب. والمؤكد أن الزعيم الجديد ينتظر في لهفة متعقلة حلول شهر مارس المقبل حيث من المقرر أن يتخلى زيمين عن ثاني المواقع المحورية في قيادة البلاد وهو موقع رئيس الدولة (الموقع الأول هو رئيس الحزب وقد تخلى عنه زيمين في نوفمبر.. والموقع الثالث وهو خطير بدوره هو قائد القوات المسلحة ومازال زيمين محتفظا به). استدعاء ماو واللافت لنظر المحلل السياسي أن الصورة المستجدة التي شرع جنتاو في رسمها لنفسه ولزعامته لم تستمد أصولها ولا مرجعيتها من زيمين زعيمه المباشر.. ولا حتى من دنغ هيساو بنغ رجل الانفتاح (بالأدق التفتح) الذي قاد الصين الى حيث التفاعل مع الغرب والتفاهم مع أميركا.. بل ان الصورة قد تعود الى زعامات الصين التاريخية الأولى ماو.. ورفاقه من الرواد الكبار . واذا كان «هو جنتاو» قد رفض ـ على ما يبدو ـ أن يعيش في جلباب زيمين، فإنه يعمل ـ فيما يبدو ـ على أن يرتدي عباءة ماوتسي تونغ على نحو ما يؤكد الكاتب الأميركي «اريك إكهولم» (دراسة نشرتها نيويورك تايمز، عدد 12 يناير 2003. وعليه فإن قائد الصين الجديد «الشاب» بدأ يطرح نفسه في صورة جديدة يزينها الشعار المقرب الى أفئدة الشعوب وهو: ـ حامي حمى الفقراء.. سعد زغلول وناصر ويبدو من استقراء تاريخ الزعامات أن الارتباط الأصيل غير الزائف طبعا بقضايا الفقراء.. هو المعادلة الناجحة والناجعة في كيمياء الزعامة الشعبية الحقيقية. وفي تاريخنا العربي المعاصر كان سعد زغلول يعتز بلقب أطلقه عليه خصومه في الداخل والخارج وهو «زعيم الرعاع» ومازالت سيطرة جمال عبدالناصر مضمخة بعطر انحيازه الى طبقات الفلاحين والعمال وسائر البسطاء والكادحين في مصر وفي الوطن العربي وفي بقاع شتى من قارات آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.. هذا الانحياز للناس هو الذي يرصده واحد من أقطاب الحزب الحاكم في الصين وهو في الوقت نفسه باحث أكاديمي في معهد الحزب وقد صرح للكاتب الأميركي قائلا: ـ إن الزعيم (الجديد) «جنتاو» بدأ يثبت أنه قائد ديناميكي يجمع بين حمية الشباب وبين أصالة الالتحام بالجماهير ويفهم ما تواجهه من مشاكل وصعوبات لهذا لم يفت المراقبين أن أول زيارة قام بها الزعيم الشاب فور توليه مقاليد الأمور.. لم تكن لواحد من المنتجعات المريحة ولا لإحدى المدن التي عادت عليها ثمار التنمية والتحول الاقتصادي.. بل كانت أولى زيارات «جنتاو« الى مدينة «سيبابو» وهي إحدى مواقع الثورة الصينية.. وأكثرها فقرا وحرمانا وهي تبعد أكثر من 270 كيلو مترا جنوب غربي العاصمة بيجين.. الفقراء والبساطة وكم توقفت دوائر شتى في العاصمة وخارجها عند مدلولات هذه الزيارة التي شملت جولة طاف فيها الزعيم الجديد بأنحاء المنطقة وعايش سكانها وتدارس معهم ما يعانون من مشاكل وما يصادفون من عقبات. وكان في مقدمة تلك الدلالات أن تلك المدينة الصغيرة.. الفقيرة كانت هي آخر معقل لقيادة الزعيم ماوتسي تونغ قبيل أن تحركه مسيرته الظافرة الى حيث دخلت قواته العاصمة بيجين (بكين كما كانت تعرف وقتها) في عام ,1949. ليبدأ مع رفاقه التاريخيين الكبار من أمثال شوين لاي، وتشي شوشيه تأسيس جمهورية الصين الشعبية. لوحظ أيضا أن الزعيم الشاب جنتاو.. جاءت خطاباته في أولى جولاته السياسية وكأنما تردد صدى كلمات الزعيم التاريخي ماو التي ألقاها فور دخوله العاصمة وقيام الدولة الاشتراكية.. وبين الأصل والصدى دارت المعاني التي رددها الزعيمان حول ما يلي: ـ إن النصر أمر عظيم.. لكن حذار من الاغترار بالانتصار لأن ثمة مهام أكبر في بناء الدعائم وحماية المكتسبات والتحولات تنتظر جماهير المواطنين. ـ إن المطلوب من الزعامات والقيادات (رفاق المسيرة كما يسمونهم) هو أن يتوخوا البساطة ويقتربوا من حياة الناس البسطاء من حيث الملبس والسلوك والمعيشة ومشقة النضال. ويبدو أن هذه الدعوة الى بساطة الملبس والمعيشة لقيت أصداء واسعة وقبولا ايجابياً في كل أنحاء الصين. صحيح أن الزعيم ماو رددها ـ كما أسلفنا ـ منذ 54 عاما.. وصحيح أن الزعيم المستجد جنتاو كررها في ديسمبر الماضي ـ إلا أن القبول الواسع لهذه الدعوة.. دفع منظومة الاعلام الرسمي والحزبي في الصين الى اعادة نشر الخطب التي ألقاها الزعيم الجديد الشاب مع التركيز بالذات على دعوة أن يعيش القادة المتنفذون معيشة أبناء الشعب البسطاء. ومع تكرار النشر.. تكررت زيارة جنتاو الى أفقر مناطق الصين.. وتكررت أحاديثه وتحليلاته حول مشاكل الفقر والبطالة والحرمان ونقص الخدمات.. فضلا عن الفساد الذي يؤدي الى تفاقم هذه المشكلات. الموعد مارس المقبل هكذا تراوح صين ـ اليوم بين التطلع المستقبل حيث غزو الأرض بأسرع قطارات العالم وغزو الفضاء باطلاق أحدث المركبات، وبين استدعاء القيم والمثل من ماضيها الثوري مجسدا في تعاليم زعيمها التاريخي الرائد «ماو». مع ذلك فالأمر ليس بالميسور في أكبر أقطار العالم من حيث السكان.. وخطوات الزعامة الصينية الجديدة محسوبة ومرصودة من الآن وحتى مارس المقبل.. حين يتخذ الزعيم زيمين خطوته المرتقبة بالانسحاب من رئاسة الدولة، وحين يتقرر اختيار نائب جديد لرئيس الجمهورية.. وحين يعيد الصينيون جرد حساباتهم ليروا ماذا حققت لهم ولو مرحليا «هو جنتاو» الذي مهد له زيمين كل أرضية الزعامة ولكنه اختار أن يتجاهل تراث زيمين ومن قبله تركة هيساو بنغ واستعاد مرجعية ماو ليصبح على غراره زعيما للفقراء والمحرومين. ـ كاتب سياسي من مصر