الخميس 20 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 23 يناير 2003 استئنافا للدعوة الى ضرورة التخلي عن ممارسة العنف ضد الابناء بشتى اشكاله وصوره، نقف اليوم امام الفئة الثالثة التي كانت هدفا لانفعالات الاباء والامهات وتوتراتهم النفسية، وكان وجودهم في المنزل يشكل ـ في نظر اولئك الاباء ـ بؤر توتر عالية المستوى ينبغي اخمادها بالضرب، او بتوجيه الكلام القاسي الخارج عن حدود اللياقة والتهذيب. تتركز أسوأ ردود افعال هذه الفئة من الاشخاص حين يصبح لديهم ابناء ينتظرون منهم بعض الرعاية والاهتمام. حيث تسود علاقة عاطفية باردة بين هؤلاء الاباء الجدد وبين ابنائهم، ويتقمص في حالات عدة هؤلاء الاباء الجدد الادوار السابقة التي قام بها اباؤهم في الماضي حين كانوا هدفا للضرب والايذاء، ويعيدوا من جديد تمثيل تلك الادوار التي كرهوها من ذويهم، ليستهدفوا اطفالهم اما كنوع من الانتقام والتشفي، او لخلل في التصور والادراك، والاعتقاد بأن العنف ضد الابناء شيء طبيعي ومبرر، نظرا لضعف قدرتهم على تقييم ذلك السلوك السلبي تقييماً موضوعيا يتناسب مع دوره في احداث خلل وظيفي في نوعية العلاقة التي تربط بين افراد الاسرة الواحدة. وفي الحالات الاخرى وهي الاقل سوءا يمتنع هؤلاء الاباء عن ممارسة العنف ضد الابناء ولكنهم في نفس الوقت يعجزون عن التعبير اللفظي عن مشاعرهم التي يحملونها لابنائهم لانهم لم يألفوها في الصغر، ولم تلتقطها اذانهم من ابويهم في السابق. تقودنا هذه النقطة الى مسألة اخرى ترتبط بها من حيث الاهمية، وتتفق معها من حيث وجوب فهم ابعادها في تشكيل المفاهيم الصحيحة حول دور التعبير اللفظي في دعم العلاقة الاسرية، واثراء الطفولة، وتقديم مثل عملي على العاطفة الفاعلة التي يعبر عنها بالكلمات، والرسائل الجسدية والمعنوية الواضحة الدلالة على عمق الرابطة بين أفراد العائلة. وللدكتور بنجامين سبوك الاختصاصي النفسي العالمي رأي جدير بالاخذ بعين الاعتبار في هذه المسألة، حيث يرى ان التهديد بعدم الحب هو جريمة عاطفية لا يمكن تسويغها او الصمت عنها. والتهديد بعدم الحب هو نوع من التعبير اللفظي الشائع ـ مع الأسف ـ في قواميس الالفاظ الشخصية لنسبة لا يستهان بها من الاباء والامهات. حيث تتردد على ألسنتهم عبارات مثل: «انا لا احبك لانك فعلت كذا وكذا» او«اذا فعلت كذا فلن اعود احبك» وامثالهما من العبارات التي تربط عاطفة الوالدين بسلوك معين، او تنفي وجود تلك العاطفة اذا صدرت من الطفل مخالفة ما. ان الاباء والامهات الذين يطلقون قذائفهم اللسانية على الاطفال، ويعبثون بمشاعرهم على هذا النحو، عليهم ان يراجعوا رصيدهم من المعرفة والتمييز، ومن القدرة على الاختيار بين البدائل، وعلى انتقاء العبارات الصحيحة القادرة على تدعيم العلاقة العاطفية، وعلى تأكيد تقبل الاباء لشخصيات ابنائهم بغض النظر عن اي اعتبارات اخرى. فالعاطفة الابوية لا تشترط على الابناء الالتزام بنظام سلوكي معين حتى تتحرك وتعلن عن وجودها. كما انها لا تفرّق بين الابن المطيع او الابن المتمرد في التعبير عن احتوائها للحالتين معا، وتقبلها للابناء بغض النظر عن مدى التزامهم او خروجهم على الاوامر والواجبات. ولانها عاطفة فاعلة فانها تفرق بين نقد السلوك ونقد الذات، وهي تتدخل لافهام الطفل بأن سلوكه هو الخاطيء ويجب اصلاحه، اما ذاته فهي في منزلة فوق المساومات والشروط ولا تتأثر مكانتها بسلوكه وأفعاله. والعاطفة الخلاقة هي تلك العاطفة الذكية التي تنتقد السلوك ولا تنتقد الذات، وتعالج السلوك، وترتقي بنظرتها الى شخصيات الابناء والى اهتماماتهم. ومع العاطفة الذكية نتوقف اليوم لنتعرف على شيء من ملامحها في الغد بإذن الله.