الخميس 20 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 23 يناير 2003 يتميز فن الادارة العربية عن غيره من فنون الادارة في دول العالم الاخرى بميزات تجعله فنا قائماً بذاته، وتتجلى هذه الميزات اول ما تتجلى في شخصية المدير الذي يمارس ـ عن خبرة ودراسة ـ مجموعة من الطقوس المتعارف عليها في عالم الادارة العربية، والتي تراعى بدقة عند ترشيحه لدخول هذا العالم السحري العجيب! ــ اول هذه الطقوس يبدأ لحظة دخول المدير مقر ادارة عمله، فعليه بمجرد ان يفتح له سائق سيارته بابها ويبدأ اول خطواته داخل المبنى الذي يتشرف بوجود السيد المدير على رأس ادارته، عليه ان يغمض عينيه ـ حتى مع وجود النظارة السوداء ـ متجاهلا كل من وما حوله، ولا يفتحهما الا بالقدر الذي يمكنه من السير حتى مكتبه دون ان يصطدم بأحد او يتعثر بقطعة من الاثاث، وهذا الاجراء يحقق للمدير الناجح اكثر من هدف! ـ فهو اولا يبعده عن رؤية كل من ليس مديرا مثله، سواء كان هؤلاء من الموظفين التابعين له.. او من الزوار وطالبي الحاجات الذين قد يكدرون مزاجه بالحاحهم الممل، وقد اكدت تجارب الادارة العربية وتقاليدها ان التبسيط مع هؤلاء او اولئك.. او التوقف لسماعهم وتحيتهم يفقد المدير الكثير من هيبته.. ويحطم الحاجز الطبقي الكبير بينه كمدير يجري الدم الاداري الازرق في عروقه.. وبينهم كرعايا يعيشون ـ باعتبارهم ليسوا مديرين مثله ـ في قاع المجتمع، ولا تجري في عروقهم سوى الدماء البشرية الحمراء.. البلدي..! ـ وهو ثانيا يريحه من التأذي بما قد تحفل به مداخل ادارته وممراتها من مخلفات وفوضى، لا يحس بها هو عادة لانه لا يفتح عينيه الا على اعتاب مكتبه الفخم الذي يتغير ديكوره وأثاثه بتغير فصول السنة، ومن هنا تصوره الدائم بأن كل ما في ادارته «بمبي» هو الآخر...! ــ من الطقوس المحترمة في اطار الادارة العربية والتي يحترمها اي مدير عربي اذا كان مديرا عربيا «بحق وحقيق» ان لا يبدأ دوامه الا بعد دوام موظفيه بساعتين على الاقل، حتى لو استيقظ من نومه بعد الفجر.. وحتى لو لم يكن يشغله او يعطله اي شيء، فهناك اقتناع تام بأن حضور المدير في بدء الدوام مع بقايا الموظفين يلغي تماما الفارق الكبير بين مركزه العالي ومراكزهم المتدنية، كما ان تراكم الزوار على باب مكتبه وتوترهم وقلقهم في ترقب لحظة وصوله.. ثم لحظة المفاجأة السعيدة حين تترامى الى اسماعهم همسات السعاة ولهثات الموظفين وهم يتناقلون الخبر المهم.. «المدير وصل.. المدير وصل»، كل هذا يؤكد اهمية التكتيك الزمني في عمل المدير ودوامه بالنسبة لشخصيته التي يجب ان تكون ـ كمواعيده ـ غير عادية! والمدير الناجح عليه بعد ان يبدأ دوامه حسب التكتيك السابق شرحه ان يرسل في طلب كشوف الحضور والغياب، وان يكون حازما في توقيع الجزاءات الرادعة على كل من سولت له نفسه التأخر عن موعد الدوام الرسمي المقدس، وان لا يقبل في ذلك عذرا مهما كان معقولا، ثم عليه الا ينسى ايضاً في هذا المجال التوسع في اقامة الندوات والدورات لتبصير الموظفين بأهمية الوقت في زيادة الانتاج وفي رفع مستوى الخدمات..! ــ وقد عثر مؤخراً على مخطوط عربي قديم، وردت فيه بعض الوصايا الادارية المهمة تحت عنوان «غاية الشطارة.. في وصايا الادارة»، وزيادة في الفائدة نورد هنا اهم ما جاء في هذه الوصايا: ـ ركز كل السلطات في يديك.. لتصبح الكل في الكل.. ولتكون الملجأ الاوحد.. وصاحب النعمة الوحيد، لا تدع ورقة تمر في ادارتك دون ان يذيلها توقيعك.. حتى ولو كان اذن صرف «ورق تواليت» للحمام..، ولا تترك لاحد من مساعديك او موظفيك فرصة البت في امر او اتخاذ قرار الا بعد موافقة مكتوبة منك، حتى ولو كان الاذن لموظف اصيب بنزيف او مرض مفاجيء بمغادرة المكتب الى المستشفى للعلاج، باختصار.. ضع كل مفاتيح العمل في جيبك.. ولا تتنازل عن هذا الحق حتى ولو سافرت الى الخارج في اجازتك السنوية. ولا تنس بعد ذلك ان توبخ وتحاسب موظفيك لعجزهم عن التصرف او حل المشاكل في غيابك..! ولا تبتسم.. فابتسامتك تذيب الجليد الواجب توافره في علاقتك بمرؤوسيك، حاول مهما كان الامر مبهجا او داعيا للانشراح ان تحتفظ بجو النكد الاداري الحازم محلقا في مكتبك العامر، فتزيد هيبتك.. ويزداد خوف الموظفين من جديتك وبطشك وجبروتك!! «ملحوظة: يمكن التنازل عن هذا البند اذا كان الموظف الذي يقف امامك.. موظفة..»!! ضع دون بابك كل العقبات والسدود التي تمنع المتطفلين من اقتحام صومعتك الادارية، لابد ان يكون لك سكرتير عابس متجهم شديد الانشغال، وسكرتيرة رقيقة انيقة دائمة الابتسام، على ان تكون السكرتيرة الرقيقة الانيقة في الجانب الملاصق لمكتبك.. ويكون السكرتير المتجهم العابس في الجانب المواجه لجماهير المتطفلين طالبي مقابلتك والملطوعين في انتظار حضورك.. او في انتظار انتهاء اجتماعاتك التي لا تنتهي ابدا في العادة..! افتح اذنيك واغلق عينيك.. ويجب ان تطبق هذا الشعار بدقة، فتفتح اذنيك لكل هامس عما يدور في دهاليز الادارة.. ولكل نمام يهمه ان يطلعك بأمانة على اخطاء وزلات زملائه، ثم اغلق عينيك ولا تهتم بالتحقق من صدق ما دخل في اذنيك، فيكفيك ان تعلم عن الجميع اسوأ ما فيهم، شجعهم سراً على ذلك، وارصد المكافآت السرية والعلاوات التشجيعية لأنشطهم في كتابة التقارير وعمل التسجيلات لكل ما يدور في المكاتب وخلف الابواب، احتفظ بكل تلك الوثائق الدامغة في ارشيف خاص بمكتبك، وتستطيع بعد ذلك ان تواجه وتهدد بهذه الوثائق كل من يجرؤ على المطالبة بزيادة راتبه.. او يشكو من خصم مجهول السبب في علاواته..، وبهذا يتحقق لك ـ الى جانب احكام سطوتك وسيطرتك ـ تحقيق وفر تستطيع به ان تغير به ديكور وأثاث مكتبك، وان توفر السيولة اللازمة لنفقات سفرك الى الخارج في جولة حول العالم تطلع فيها على احدث وسائل تطوير الادارة... وأساليب القيادة الجماعية لها..! اخيرا.. عزيزي المدير.. هل أنت مدير عربي؟!