الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 هل استراحة «البيان» هي كرسي الاعتراف؟! تساءلت بدهشة بعد أن اكتشفت انني قلت من خلالها ماكنت حريصا على الا أكتبه وأعتبره من خصوصياتي التي لا أريد أن أشارك أحدا فيها. وبالطبع عندما يرد على ذهنك هذا السؤال سترد عليه بالنفي القاطع، فالاستراحة ليست كرسي الاعتراف لكن لابد أن تنتابك حالة من التفلسف الحقيقية فتسأل: ترى ماذا تعني استراحة البيان بالنسبة لكتابها؟ فتلاحظ ان احدهم مثلا يعتبرها منبرا يعبر فيها عن آرائه وأحدهم يحكي مايستخلص منه حكمة يريد قولها. وأرجوا منك ياعزيزي القارئ ألا تفتش وراء كلماتي لتبحث عمن أقصده. فأنا أقول مثلا؟! ولا أكثر منها. وأعود لأطلب منك ألا «تفتش» وراء كلماتي، وأصارحك ان مادفعني الى كتابة هذا الحديث هو كلمة «تفتيش»، فلقد أردت أن أبدأ حديثي بحكاية «تفتيش» تعود الى زمن الطفولة، لكن الكلمات توقفت على سن القلم فكلمة «تفتيش» كما نعرف جميعا أصبحت كلمة سيئة السمة بل وثقيلة على الأذن والنفس. وأنا أحاول دائما أن أبعد عن النكد في هذا المكان! وسبب سوء سمعة الكلمة مايفعله الآن المفتشون الدوليون، وكلمة «مفتش» من اللغة العربية لكنها مستحدثة، فالعرب لم يكونوا يعرفونها وان عرفوا كلمة هي اضبط بالتأكيد هي «الفتاش» وهو حسب القاموس الوسيط: الذي يكثر التفتيش وتتبع أمور الناس! وقصة التفتيش التي أردت وعجزت بسببها عن البداية طوال هذه السطور هي أبسط من هذا بكثير. كنا تلاميذ في المدرسة الابتدائية ولأن نظام التعليم كان مختلفا اعتقد ان عمري كان أكثر من عشرة أعوام، وكان التلميذ عندما يحصل على الشهادة الابتدائية يضاف الى اسمه لقب «أفندي» وهو لقب كان في قمة الألقاب العثمانية لكنه انزلق مع الزمن حتى صار يمنح لمن اجتاز أربعة أعوام من التعليم الرسمي بغض النظر عن فترة الاعداد لذلك. المهم انه قد ضاع من احد التلاميذ شيء ما لا أذكرماهو، ولكنه بالتأكيد كان ثمينا والدليل على ذلك أن أسرته كانت موجودة، وادارة المدرسة مشاركة بالكامل. ولأننا كنا في السن الذي نحس فيه أكثر مما نعرف أدركنا هول الموقف. ووقف امامنا ناظر المدرسة بشاربه الهتلري وبنيانه المليء، وقال ما معناه انها سابقة لم تحدث من قبل ان يسرق شيء من احد التلاميذ في مدرسته. وبالطبع كنا نعرف انه كاذب فالتلاميذ يسرقون من بعضهم الاقلام والطعام والحلوى طول الوقت، لكننا أدركنا انه يعني بكلمة «سرقة» غير مانعرفه من هذه الكلمة. ولما كنت محبا للسينما في ذلك الوقت فلقد رأيت في حضرة الناظر جورج أبيض ويوسف وهبي وأحمد علام، وانتظرت المحرقة التي سيشعلها ليلقى فيها بالسارق وزملائه. لكنه قال إنه مضطر الآن للتفتيش ولم تكن الكلمة غريبة عنا، لكنها بدت كما لو كانت كلمة لاتينية معقدة. خاصة انه مع ذكرها بدأ ما لم أره من قبل في حياتي حتى ولا في السينما. فلقد انطلق ثلاثة من المدرسين الشرسين كل مدرس يفتش صفا من الصفوف الثلاثة: يضع يده في جيوب الضحية ويفتش «درجه» وحقيبته اذا كان معه حقيبة. وعندما ينتهي يدفعه ساخطا لأنه لم يجد معه الشيء المفقود. ويذهب لغيره في حين ان مدرسا آخر مساعدا له يتابع تحركات التلميذ فربما ـ هذا ما أفكر فيه الآن ـ القى بالشيء المفقود على الأرض. وفي دقائق كانت «الحملة» قد انتهت من عملها.. وأعطت «التمام» لحضرة الناظر بأن الشيء المفقود ليس هنا.. وبالطبع لم يكن حضرة الناظر يحتاج الى هذا «التمام» فلقد كان يتابع مايحدث بعيني صقر. وفي حزم الفيلد مارشال روميل امر جميع من حوله وخلفه بالانصراف. واختفوا في ثانية. ولم يبق امامنا الا مدرس لا أذكر إذا كان اسمه لطفي أو لطيف. ولكنني اذكر انه كان له من اسمه نصيب. فلقد كان يعاملنا برقة. جلس المدرس وقد وضع رأسه بين يديه، والصمت لم يحدث مثيله في هذا المكان من قبل. ولا أدري كيف بدأ ماحدث، فلقد سمعنا أحدهم يكتم بكاءه تلاه ثان ثم انفجرنا جميعا في بكاء حار. وانتفض الاستاذ لطفي أو لطيف حائرا لا يدري مايفعل. لكنه اتخذ قراره في لحظة، واعطانا ظهره وتركنا نبكي. قبل هذه الحادثة لم أكن قد شعرت بمهانة مثل هذه المهانة، ولسنوات طويلة جدا ظلت جرحا ينزف. ولما عدت الى البيت القيت بكتبي وخرجت، وظن اهلي انني سألعب في الشارع كالعادة. لكنني ذهبت الى صاحب مطعم كان يعرفنا وطلبت منه ان اعمل عنده وكان رجلا لطيفا «ابن بلد» كما كانوا يقولون آنئذ. وابتسم الرجل ودودا وبدأ يطرح عليّ اسئلة صعبة وهو يعمل! هل والدك يعرف؟ قلت له: أخبره عندما يمر بك سأل: والمدرسة: قلت لن أذهب الى المدرسة بعد اليوم! قال: وعندما تتأخر في العمل ـ أي هنا ـ لابد انك ستجوع فهل ستأكل معنا؟ وكان المطعم متخصصا في الاكلات الشعبية مثل «الكوارع» وما أشبه وأنا أكره هذا الطعام، ولم أتذوقه في حياتي، وبالطبع كان الرجل يعرف ذلك، خاصة انني غالبا كنت أنا الذي آتي لأدفع له ثمن الطعام مع خادمة. وبرقة طلب مني ان أعود له في يوم تال. ولكن في المساء وجدت بيتنا في حالة طوارئ، فلقد عاد ابي غاضبا. وعرفت ان صاحب المطعم اخبره وسألني عن السبب الذي أريد من أجله ترك المدرسة والعمل في مطعم؟ لم أجد سببا، وعجزت عن أن أحكي له ما حدث. ولكنني بعد وقت حكيت لأمي، وأخبرته. وفي اليوم التالي وجدت والدي في المدرسة ولم يكن وحده، بل كان هناك عدد اخر من أولياء الأمور. وعندما اتى حضرة الناظر ليعتذر لنا ظننا ان أهلنا انتصروا لنا، لكن السبب هو انهم وجدوا الشيء المفقود، والذي لا أذكر ما هو. ولم يكن الاعتذار كما يخطر على بالك، فيبدو ان هذا لم يكن في قاموس حضرة الناظر. لقد اقتحم المكان كالثور الهائج، وخاطب التلميذ الذي فقد مالا أذكر قائلا له: أبوك حمار! حمار! حمار! وخرج! وتضاءل التلميذ الذي فقد الشيء. وظل يتضاءل خلال الأيام التالية، ولم يمر أسبوع الا وانتقل الى مدرسة أخرى. وهكذا ترى إننا في النهاية انتصرنا، وحتى اذا كان بقي في النفس شيء فالزمن كفيل بأن ينسي الطفل الاساءة. ولكنني حتى الآن أحس الاهانة واذكر نظرات المدرس وهو يدفع يده في جيبي متوقعا ان يجد الشيء المفقود! تلك كانت أول حادثة تفتيش في حياتي. ولا أذكر حادثة اخرى حتى دخلت الجامعة، عندما طرق الباب وفتحت لمجموعة من أبطال كمال الأجسام سألوني هل أنت ساكن الشقة؟ فلما اجبتهم بالايجاب انتشروا يأخذون أي ورقة أو كتاب ويفتشون في كل مكان، وكان للسرير عداية تنتهي بحلية كأنها غطاء، انتزعوا هذا الغطاء واكتشفت متأخرا انه كان يصلح مكانا سريا لاخفاء الاشياء. ولقد استخدمته فيما بعد، فلقد كنت اسكن عادة مع زميل أو اثنين وفي غالب الأمر كان يسود الشقة النظام الاشتراكي، فيحتكر كل منا ما يملكه الآخرون. فكان على كل منا أن يخفي بعض أشيائه. وأذكر ان أحدهم كان يخفي شفرات الحلاقة في حذائه، ونسي ذلك حتى تذكره وهو يقفز الى الاتوبيس وظل عاجزا عن السير شهرا كاملا. ولم يكن التفتيش الثاني مثل الأول فلقد تبعته جلسات عمل طويلة مع أبطال كمال الاجسام. يسألون عما اقصده بـ «محمود يقتل عزت في الفجر» وكنت ايامها اكتب قصصا، ومن عادتي ان اكتب هوامش تبدو للاخرين بلا معنى، لكنها بدت لاخواننا ابطال كمال الاجسام انها ذات معنى. والكارثة ان بعض هذه الأمور كنت قد نسيتها. وهذا يقلقني الآن فبعد مرور أكثر من أربعين عاما على الكتابة لدى بالتأكيد آلاف الأوراق وعليها ما عليها من هوامش. ومن الواضح انه لابد من تفتيش الجميع، ويومي آت مثل أيامكم جميعا. وسيأتي الاخوة رامبوا وجمس بوند وسوبرمان، وسيفتشون مكتبي، وسيخرجون بآلاف الشفرات، وسأحاول أن أشرحها لهم، لكن هل سيقتنعون، واذا قلت لهم لقد نسيت ما تعني هل سيتركونني في حالي. لقد خرجت من حادثة التفتيش الأولى بعقدة نفسية، ومن حادثة التفتيش التالية بوضعي في القائمة السوداء فضلا عن الحبس أياما. المصيبة في التفتيش الثالث ماذا سيحدث؟ لا تضحكوا! أنا فعلا قلق. وأنتم أيضا يجب أن تقلقوا!