الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 والسؤال المطروح داخل الإدارة الآن هو: هل يتاح للولايات المتحدة مخرج من الورطة دون الاضطرار إلى اراقة ماء الوجه أمام الرأي العام الأميركي والرأي العام العالمي؟ هذا هو مغزى التحول الذي طرأ على السياسة الأميركية تجاه العراق هذا الأسبوع، والمتمثل في دعوة إلى «تشجيع خيار» تنحي الرئيس صدام حسين وابعاده إلى المنفى «كوسيلة لتجنب الحرب». فهل هو طرح مشروع ومقبول بمعايير العدالة الدولية؟ نقول أولا ان الورطة التي وقع فيها الرئيس بوش هي من صنعه وصنع أركان إدارته. ووفقاً لأي معيار للعدالة والمنطق فانه يتعين على الإدارة الأميركية نفسها أن تتحمل وحدها مسئولية كيفية الخروج من الورطة. فليس من الانصاف أن تتخلص الإدارة الأميركية من الأزمة بتصدير هذه الأزمة إلى الطرف الآخر، وكأن هذا الطرف الآخر هو المسئول عن التورط الأميركي. ولكن نتساءل أولا: كيف ورطت إدارة بوش نفسها؟ لقد علقت الإدارة الأميركية كما هو معلوم مصير العراق بمسألة أسلحة الدمار الشامل، مشترطة إخلاء الأراضي العراقية من أي أسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية بأن يكون الخطوة الأولى نحو إعادة تأهيل الدولة العراقية لعضوية المجتمع الدولي.. وبالتالي جعلت واشنطن الغاء نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق رهنا بمآل قضية أسلحة الدمار الشامل. لكن الصراع الدولي حول مصير العراق تبلور أخيراً عند محطة القرار الدولي 1441 الذي صارت الولايات المتحدة الآن رهينة إليه وذلك لاعتبارين: أولاً: أن عملية التفتيش عن الأسلحة في العراق التي بدأت قرب نهاية نوفمبر الماضي قد تستغرق زمنا طويلا يقدر ما بين ستة شهور إلى 12 شهراً، مما يفرض على الإدارة الأميركية إرجاء شن حرب على العراق إلى أن تأخذ عملية التفتيش مداها الزمني الكامل وتبلغ منتهاها. ثانيا: ان العملية قد تنتهي إلى فتح باب رفع العقوبات عن العراق نهائياً، إذا تبلورت نتائجها عند نهاية المطاف في شهادة دولية رسمية بأن الأراضي العراقية باتت خالية تماما من اسلحة الدمار الشامل. بالتالي يتحرر العراق من قيوده ويعود إلى دوره كقوة إقليمية في الخليج والوطن العربي عموماً. ومغزى الورطة الأميركية هو إذن ان السياسة الأميركية فقدت المبادرة تجاه المسألة العراقية بانتقال هذه المبادرة إلى مجلس الأمن الدولي بقواه الكبرى الأخرى المعارضة وفرق تفتيشه. فالرئيس جورج بوش بات الآن عاجزاً عن اتخاذ أي قرار حازم وحاسم تجاه المشكلة العراقية. ومع تعاظم الغليان العالمي على المستويات الشعبية يبدو اتخاذ قرار بشن حرب ضربا من الحمق. في آن معا تحدث كل من وزير الخارجية الأميركي كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيد عن «خيار تنحي الرئيس صدام حسين».. باعتبار ان ذلك مخرج «سوف يسمح بتجنب حرب في العراق». وأول ما يلاحظ على هذا الطرح هو أنه محاولة لاعادة انتاج القضية. فالقضية المطروحة في السياق الدولي الرسمي هي أسلحة الدمار الشامل في العراق وكيفية نزعها بوسيلة سلمية، وليس مصير النظام الحاكم ورئيسه. فالقرار الدولي رقم 1441 لا يشتمل على أية إشارة علنية أو ضمنية بشأن نظام الحكم في العراق، وإنما تنحصر نصوص القرار في مسألة التفتيش عن الأسلحة فقط. إذن فان إدارة بوش، بتحويلها للقضية من أسلحة الدمار الشامل إلى مصير النظام الحاكم ورئيسه انما تحاول، أولا، استباق نتائج عملية التفتيش تخوفا من انتهائها إلى تبرئة العراق، وثانيا العثور على مبرر بالعدول عن شن الحرب يكون مقبولا لدى الرأي العام الأميركي.. ويحفظ للرئيس بوش ماء وجهه. ويبقى سؤال: لماذا حرصت الإدارة الأميركية في تصريحات رجالها بشأن مسألة تنحي الرئيس العراقي على استعمال كلمتي «تشجيع» و«تأييد» متحاشية بذلك استعمال كلمة «اقتراح» أو «طلب»؟ والاجابة هي ان الإدارة الأميركية تدرك انه لا يحق لدولة «اقتراح» أو «طلب» استقالة رأس دولة أخرى دون ان تبدو وكأنها خارجة على القانون. هذا ما يفسر لنا لماذا تسعى إدارة بوش إلى تكليف أطراف أخرى بتقديم «الاقتراح» وتبنيه.