الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 أعلنت اميركا أنها تشن حرباً واسعة ضد الارهاب، وتضمن الخطاب الرسمي والاعلامي المؤيد لهذه الحرب مجموعة من العناصر التي يستند اليها في هذه الحرب «العادلة »، ومن أهم هذه العناصر كانت حجة «الدفاع عن النفس»، باعتباره حقاً مشروعاً لكل دولة من دول العالم، وحجة تحقيق «العدالة» كما وصفها الرئيس بوش: «اما أن نأخذ الأعداء الى العدالة، واما أن نأخذ العدالة اليهم، فالعدالة سوف تتحقق»، وذلك مفهوم جديد «للعدالة المتنقلة» التي تشبه الهاتف النقال، ولكنه ليس آخر المفاهيم الجديدة التي توالي الادارة الاميركية قذف العالم بها، حيث يتم حالياً الاعداد لحرب جديدة ضد العراق بمجموعة أخرى من المفاهيم المتضاربة، فهي حيناً لنزع أسلحة الدمار الشامل، أو لاجبار العراق على تنفيذ قرارات مجلس الأمن، أو لقلب نظام الحكم، أو لانقاذ شعب العراق من حكامه..الخ. أضعف الايمان بادئ ذي بدء، يجب أن نتفق على أن هذا الموضوع هو من قبيل الرياضة الذهنية لا أكثر ولا أقل، وهي محاولة لاستكمال زوايا أخرى لمسألة الهجوم المبيت على العراق والتي تتناقض مع كل المعايير الأخلاقية والسياسية والقانونية، كما لا يبدو أنها تحقق أية مصالح استراتيجية واضحة لطرفي الهجوم أو المنطقة، وربما تساعد هذه الرياضة الذهنية في التخفيف من ضغط الأحداث المتوالي، أو لاثبات أن الحق لدينا أو العكس، وفي كل الحالات فذلك هو القدر المتاح للحركة، فحين يعجز الجسد قد يجد الانسان عزاء في حركة العقل. وقد يثير ذلك تساؤلاً مشروعاً عن جدوى هذا التمحيص والتنقيب خلف حقيقة واضحة وضوح الشمس، أو جدوى ذلك لشعب العراق المسكين ؟، والاجابة عن ذلك التساؤل مؤلمة ولكنها واقعية، ففي بعض الأحيان يجد الكاتب أن القلم هو السلاح الوحيد الباقي، وهو سلاح قد لا يحسم معركة أو يدحر عدواً، ولكنه على الأقل أكثر بقاء من كل أنواع الأسلحة الأخرى بما فيها أسلحة الدمار الشامل، فهو نوع من التسجيل التاريخي الذي نأمل أن تقرأه أجيال قادمة، فتتعلم من أخطائنا وأخطاء غيرنا، ويكون لديها حتى تجيء ساعة الحساب بيانات وأدلة موثقة تثبت على الأقل أننا حاولنا.. نعم حاولنا ولو بأضعف الايمان. هل هي حرب ؟ في علم السياسة والقانون والدولي يوجد تحديد لتعريف الحرب، استخدام القوات المسلحة الخاصة باحدى الدول ضد أراضي دولة أخرى. واذا حاولنا وضع أي تعريف للارهاب فاننا في النهاية سوف نصل الى أنه «ظاهرة اجتماعية»، أي أنه ليس دولة، وبالتالي ينتفي شرط أساسي من شروط تعريف الحرب، لانها لا يمكن أن تشن ضد «ظاهرة اجتماعية». وقد يقول قائل ان استخدام المصطلح لا يعني بالضرورة التقيد بحرفيته، فكثيراً ما يقال مثلاً: «الحرب ضد الفساد، أو الحرب ضد الفقر»، ويكون الهدف من ذلك هو استخدام الاسقاط المعنوي الذي تحمله كلمة «الحرب» من معاني التضحية والفداء من ناحية، ومعاني استخدام الشدة والقسوة والصرامة من ناحية أخرى، ولعل ذلك هو ما دفع توني بلير رئيس الوزراء البريطاني مثلاً الى التصريح بأنه أياً ما كانت الأبعاد القانونية والفنية، فالحقيقة أننا في حرب ضد الارهاب. ورغم وجاهة هذا الرأى، الا أنه لا يتفق مع المرحلة الافتتاحية من هذه «الحرب، التي اشتملت على هجوم مسلح بالفعل على أفغانستان، ومن الجدير بالاشارة أن وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد حين سئل عما اذا كان الهجوم الذي تم على اميركا يعد حرباً، أجاب: «بلا شك، ولكن هذا الهجوم كان شريراً جيد الاعداد وشاملاً، وأنه يترك لرجال القانون تكييف الفعل كما يشاءون ». اذن فما يسمي «الحرب ضد الارهاب »، لا تعد بالمعنى الفني الدقيق حرباً، ولا هي تشبه الحرب، وفي كل الأحوال لا تجد أي سند في القانون الدولي. الحرب ضد العراق تتبنى اميركا الآن بحماس شديد فكرة شن الحرب على العراق، وهذه الحرب الجديدة ليست الا سلسلة أخرى من توابع الغزو العراقي للكويت، وفي البداية توجد أسئلة مشروعة حول ما أسمته وتسميه اميركا موقفها المبدئي من العراق. فمثلاً أين كان هذا الموقف المبدئي أثناء الحرب العراقية ـ الايرانية، والتي وقفت فيها بوضوح مع العراق ؟، ثم اذا كان صحيحاً أن اميركا لم تعط الضوء الأخضر للعراق كي يغزو الكويت، فان كل الشواهد تؤكد أنها على الأقل أعطته الضوء الأصفر، ويكفي هنا أن نشير الى لقاء السفيرة الاميركية في بغداد (ابريل جليسبي ) مع صدام حسين قبل الغزو، حين أكدت له أن وزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر أوضح أنه لن يتدخل في نزاع عربي ـ عربي، ليس هذا فحسب بل أبدت تعاطفها مع ما ذكره الرئيس العراقي لها حول الخرائط التي صنعها الاستعمار وأدت الى انتزاع جزء من العراق وضمه الى الأراضي الكويتية.. واذا كان ذلك على أحسن تقدير هو ضوء أصفر من الادارة الاميركية، فقد كانت تلك الادارة تعلم أو على الأقل تتوقع أن ذلك سيعني ضوءاً أخضر للرئيس العراقي صدام حسين. هذا عن الجانب الأخلاقي والسياسي، ولكن ما هو التكييف القانوني للاتفاق الاميركي ـ البريطاني الحالي على غزو العراق ؟ وهل يجوز أن ينطبق على هذا الاتفاق ما يطبق على العقود في القوانين الوطنية التي يشترط ألا تخالف ما يسمى بالنظام العام ؟ هل يوجد في القانون الدولي العام ما يماثل فكرة «النظام العام» في القوانين الوطنية ؟ بمعنى هل يمكن اعتبار قاعدة ما أو معاهدة ما باطلة بطلاناً مطلقاً نظراً لمخالفتها للنظام الدولي العام ؟ ثم ما هو أثر هذا البطلان؟ ما هو النظام العام ؟ في البداية قد يكون من المناسب أن نقدم تعريفاً مبسطاً لفكرة «النظام العام »، فهذه الفكرة تعني مجموعة القواعد القانونية التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، والأصل التاريخي لهذه الفكرة هو القانون الروماني، وهي تتطور طبقاً للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكل مجتمع فهي تدور مع هذا النظام وجوداً وعدماً، أو بمعنى آخر فأن ما قد يعد في فترة تاريخية معينة متعارضاً بشكل جوهري مع النظام العام، قد لا يعد في فترة تاريخية أخرى على هذا القدر من التعارض، أو يصبح من الأمور العادية. واذا كان ذلك يطبق في اطار القوانين المحلية لكل دولة، فهل يجد تطبيقاً على مستوى القانون الدولي؟ مبدأ النظام العام jus cogens، كما قدمنا هو مبدأ معروف في كل القوانين الوطنية، وهو يشتق من حاجة المجتمعات الى حماية مجموعة من القيم الأساسية التي يقوم عليها مجتمع من المجتمعات، وهذه القيم قد تكون سياسية أو اقتصادية أو دينية أو أخلاقية، ورغم أن الأصل هو حرية التعاقد بين الأفراد، الا أنه لا يجوز الاتفاق على مخالفة مشتملات النظام العام والآداب، ويصبح الاتفاق المخالف باطلاً بطلاناً مطلقاً منذ ابرامه، ولا تترتب عليه أية آثار، وبهذا المقتضى يحتل هذا المبدأ أولوية تعلو على كل القوانين بما في ذلك الدساتير، فعلى سبيل المثال اذا كان المجتمع مجتمعاً اشتراكياً واتفق طرفان على ابرام اتفاق يتعارض في جوهره مع المبادئ الاشتراكية، فأنه يعد مخالفاً للنظام العام، ونفس الأمر ينطبق مثلاً مع عقد يقوم بمقتضاه رجل ببيع أولاده لرجل آخر. وهذا المبدأ بطبيعته يخضع لمدى ونطاق التغير الذي يطرأ على المجتمعات، فارادة الأفراد ليست مطلقة بل مقيدة في التصرفات بما يحافظ على القيم الجوهرية للمجتمع، واذا كان الأفراد هم أشخاص القوانين الوطنية، فان الدول هي أشخاص القانون الدولي، ولو افترضنا أن مبدأ النظام العام له تطبيقاته على المستوى الدولي، فان ذلك يعني أن ارادة الدول أيضاً تكون مقيدة فيما يتعلق بمجموعة من القيم والمبادئ الجوهرية التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها. ـ كاتب مصري