الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 وقفت امام الخليفة العباسي الضعيف المستعصم بالله شخصيتان كان لهما الاثر الكبير في رسم تاريخ المنطقة، اولهما مؤيد الدين بن العلقمي الوزير ممثلا الحمائم في ديوان الخلافة الذي كان يراسل المغول سرا محاولا ايجاد وسيلة تعاون مع أكبر قوة خرجت فجأة من رحم السهوب الاسيوية الوسطى الباردة، والوزير مجاهد الدين ايبك الذي كان منتشيا بقوة الخليفة الهلامية ومهيمنا على التوجه الصقوري في الديوان المستعصمي، ولم تكن تلك الشخصيتان تعلمان ما كان يخبئ القدر لهما وللخليفة وللرعية وحاضرة الدنيا بغداد. ما أشبة الليلة بالبارحة، الخليفة المستعصم يتعرض لضغوط كثيرة، فهو الذي لعب دورا هامشيا في سقوط القوة الخوارزمية حامية حمى الاسلام في الشرق، حتى ان السلطان الخوارزمي مات ميتة بائسة في جزيرة نائية بعيدا عن اهله وملكه وشعبه، وانفتح الطريق امام القائد المغولي هولاكو لاحتلال بغداد بدون مقاومة جادة. لم يقتصر الصراع بين ابن العلقمي وايبك على بلاط القصر بل امتد الى مناصريهم واعوانهم مما كان له اثر سيئ على الامن في عاصمة الخلافة، وامتد الخلاف الى تفرعات الشارع وخيم جو كئيب منذر بعاصفة هوجاء قد تودي بالجميع منسية اياهم خلافاتهم التي كانوا يعيشون عليها. اكتسح هولاكو عاصمة الدنيا محدثا فيها خرابا لم يعرفه العالم من قبل، وامتلأت طرقها وشوارعها وانهارها بالجثث الممزقة، واختلط الدم وعرف الناس ان للدم لوناً واحداً وان خلافاتهم لم تكن سوى سخافة عابرة او مزحة سمجة امام ما يرونه بأم اعينهم، فعاش الناس اياما في الحفر والمجارير يقتاتون على ما تجود به القمامة المتعفنة من بقية حياة، وهام الناس على وجوههم في الصحراء، وتفرقت اسر وبيعت حرائر النساء في اسواق خراسان والشام والري وأصفهان، ونسي الناس سخافات ابن العلقمي والوزير ايبك، وبكوا على دولتهم وخليفتهم وعزهم المفقود الذي لن يعود. لا، لن احاول تشبيه هذا بذاك، فالشخصيات لا تتكرر، وتفاصيل التاريخ قد لا تعيد نفسها، ولكن اثبت التاريخ انه قادر على اعادة نفسه بشكل عام قد يثير استغراب المتأمل لتلك الحوادث الجسام، ألم يتذكر الناس خراب بغداد على ايدي المغول بعد مشاهدتهم للضربات الاميركية في حرب الخليج الثانية ؟ ألم يحاول البعض الربط بين تاريخ الاندلس وتاريخ العرب الحالي؟ يجب ان يتعالى الناس على خلافاتهم حين يجابهون الموت، ويجب ان تتعانق ارواحهم امام غريزة البقاء، ولكن هذا مع الاسف لم يحدث مع العرب قيادات وشعوبا، الذين مازالوا يستمتعون بلعبة الخلافات الازلية الممتعة وكأن الامر لايعنيهم، حتى المعارضات التي خرجت في الاصل دفاعا عن شعوبها امام تسلط حكامها وقعت في المحظور ذاته ولا يستثنى من ذلك من كانت يده في النار، فالمعارضة العراقية التي مازالت تكرس نفسها كحامية الاقليات التي تمثلها، كانت متخالفة في مؤتمر المعارضة العراقية الاخير في لندن، فخرجت المعارضة منه لأن حزبا فرض نفسه كممثل اوحد، وجاءت مجموعة صغيرة تمثل الحركة الاسلامية الكردية ولا اعلم ان جاءت مدافعة عن المسلمين ككل ام عن الاكراد المسلمين فقط، وبودي لو شرح لي احدهم موقفهم من العرب !! إن المعارضة العراقية بمواقفها المتباينة وايديولوجيتها الضيقة تكرس الخلاف المذهبي والعرقي، وقد تطولها طامة تنسيها كل خلافاتها وترقق مصائبها، وفي صحائف التاريخ لنا عبرة لمن اراد ان يعتبر. ـ رئيس تحرير الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com