الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 هل من الممكن صياغة استراتيجية فلسطينية موحدة يشارك فيها مختلف تنظيمات المقاومة الفلسطينية، وسط المتغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط في الوقت الراهن؟ وبرغم ان هذا السؤال ليس جديداً على الساحة الفلسطينية التي كانت تشكو دائماً من وجود مواقف واستراتيجيات متضاربة ـ أو غير منسجمة على الاقل ـ إلا ان الفلسطينيين بدوا في الآونة الاخيرة اكثر حاجة من ذي قبل لتقديم اجابة واضحة ومقنعة عنه حتى يتمكنوا من تجاوز هذه المرحلة دون ان يفقدوا القدرة على التعامل الايجابي مع المتغيرات الاقليمية من جهة، ومع الظروف الدولية الضاغطة من جهة اخرى. فخيار الانتفاضة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي والتوسع الاستيطاني لم يفقد مبرره حتى الآن، بل على العكس من ذلك، فإن الضغوط التي تشكلها آلة التدمير والقتل الاسرائيلية لا تترك مجالاً لاعتماد خيار آخر تكون كلفته اقل على الشعب الفلسطيني، بشرياً ومادياً، ذلك ان الحكومة الاسرائيلية، وهي تحاول جاهدة تحقيق انتصار حاسم ضد الارادة الفلسطينية والصمود الفلسطيني، تستخدم من اساليب التنكيل المروعة ما يفترض ان يؤدي الى احدى نتيجتين: الرضوخ الفلسطيني، او مواصلة المعتدى عليه الدفاع عن نفسه بمحاولة انزال اكبر قدر من الخسائر بالمعتدي. وبما ان الشعب الفلسطيني اكد رفضه الكامل للرضوخ، سواء خلال تجربة السنتين الماضيتين من عمر «انتفاضة الاقصى» أو عبر المراحل النضالية الطويلة السابقة كان لابد ان يكون استمرار المقاومة هو خياره الوحيد المتاح. على ان هذا الخيار الفلسطيني الاستراتيجي يواجه الآن اربعة اختبارات مهمة: ـ الاختبار الاول، الانتخابات الاسرائيلية وكيفية التصرف حيالها، وحيال نتائجها المنتظرة. ـ الاختبار الثاني، مؤتمر لندن الذي لم يتمكن ممثلو الشعب الفلسطيني من حضوره وارتباطه بمهمة اللجنة الرباعية الدولية و«خريطة الطريق» ومدى اهمية النتائج التي اسفر عنها. ـ الاختبار الثالث، الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني الذي يجري في القاهرة في صورة متقطعة، وما اذا كان سينشأ عنه «صيغة كاملة لموقف فلسطيني موحد»، كما يقول الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ام يظل مجرد «لعب في الوقت الضائع»، كما يقول العديد من المراقبين، بانتظار تبلور نتائج الاختبارات الاخرى وهي الاكثر اهمية بالنسبة لتأثيراتها المتوقعة على المسار الفلسطيني. ـ الاختبار الرابع، الحرب الاميركية المحتملة ضد العراق وما سيعقبها من تطورات وأحداث تطال بنتائجها ومضاعفاتها مختلف دول المنطقة، وليس الفلسطينيين وحدهم. الاختبار الاول في الاختبار الاول، وهو الاقرب زمنيا، لم يعد الوقت يسمح للفلسطينيين باللجوء الى سياسات من شأنها التأثير على مجرى الانتخابات الاسرائيلية ونتائجها. فالامتناع عن تنفيذ عمليات استشهادية ضد الاسرائيليين لإحداث نوع من «الهدوء النفسي» لدى الناخب الاسرائيلي يقلل من اندفاعه نحو الاقتراع لليمين الاسرائيلي المتطرف، ولأرييل شارون شخصياً، لن يكون اثره فاعلاً إلا اذا دام وقتاً طويلاً، وبما انه لاتزال تفصلنا عن هذه الانتخابات «28 يناير الجاري» بضعة ايام فقط، لابد من القول ان اثر الامتناع سيكون محدوداً جدا، إلا اذا حدثت عمليات استشهادية ضخمة قبل ساعات من موعد الاقتراع وعندها سيحدث العكس تماماً، والعكس هنا يعني احتمال فوز لائحة «ليكود» بالمزيد من المقاعد النيابية بعد ان كانت استطلاعات الرأي في اسرائيل اشارت في الاونة الاخيرة الى هبوط واضح في رصيد شارون ولائحة «ليكود» تحت تأثير فضائح الفساد المالي التي ارتبطت باسم شارون وابنيه، وبحزب ليكود نفسه قبل ذلك. واذا اضفنا الى ذلك ان رئيس حزب العمل عميرام ميتسناع، منافس شارون على رئاسة الحكومة، شكا هو الآخر من «ضيق الوقت» لأن خطته السلمية للتفاوض مع الفلسطينيين لن تحدث اثرها الايجابي المطلوب بين الناخبين الاسرائيليين إلا من خلال جهد اقناعي مثابر وطويل، فمعنى ذلك ان على الفلسطينيين التخطيط لمرحلة تالية، خطيرة وبالغة الصعوبة، في المواجهة المفتوحة مع اليمين الاسرائيلي الشرس. ولكن ثمة من يرى ان الفلسطينيين معنيون كثيراً بتعزيز طروحات ميتسناع السياسية، حتى في حالة فشله في الانتخابات الحالية، بحيث يشكل في المستقبل القريب معارضة اسرائيلية قوية تعتمد الخيار السلمي وتمد يدها الى الفلسطينيين في سبيل الخروج من المأزق الدموي الراهن، وهذا يعني ان الاختبار الفلسطيني المشار اليه لن يتوقف عند انتخابات الكنيست الاسرائيلي ونتائجها المباشرة، وانما تتعداها الى تحديد وسائل التعامل مع الساحة السياسية الاسرائيلية في المرحلة المقبلة بالتنسيق مع القيادات السياسية لفلسطين 1948، كما حدث في الماضي بأشكال مختلفة ومثل هذا الجهد ينبغي ألا يتوقف مهما كانت الظروف والتطورات لمنع الجبهة الاسرائيلية الداخلية من ان تتوحد وراء العنف الدموي الشاروني. الاختبار الثاني في الاختبار الثاني يجد الفلسطينيون انفسهم إزاء اللجنة الرباعية الدولية، بعدما تبين ان المداولات التي شهدها مؤتمر لندن انما هي جزء من برنامج عمل اللجنة، فضلاً عن مشاركة ممثليها مباشرة في المناقشات التي دارت على مدى يومين وتركزت في معظمها حول النقاط التي سبق للجنة الدولية ان اثارتها، وفي مقدمتها الاصلاحات الفلسطينية، ووضع حد لما تسميه اللجنة «الارهاب الفلسطيني». واذا كانت السلطة الفلسطينية معنية، وحدها، بموضوع الاصلاحات، وهي قدمت العديد من الوثائق التي تؤكد فيها تنفيذ اصلاحات في المجالات الاقتصادية والمالية والقضائية والامنية والدستورية، بما في ذلك التعهد بأن يكون نظام الحكم في الدولة الفلسطينية «الموعودة» رئاسياً مع استحداث منصب رئيس وزراء له سلطات فعالة «كما اعلن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو» إلا ان الجانب المتعلق بوقف العنف، اي المقاومة، يدخل ضمن اهتمامات المنظمات الفلسطينية جميعها ويتطلب، بالتالي، تفاهماً فيما بينها حول كيفية الوصول الى هذه النتيجة مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي. فالوصول الى الدولة الفلسطينية «المؤقتة ثم الدائمة حتى العام 2005» وفقاً ل«خريطة الطريق» التي وضعتها اللجنة الرباعية ولم تعلن مضمونها رسمياً بعد بناء على رغبة الحكومة الاسرائيلية مرهون بتحقيق الفلسطينيين شرطين اساسيين: وقف العنف «المقاومة» وتنفيذ الاصلاحات المطلوبة، ومع ان التجاوب الفلسطيني مع المؤتمر وطروحاته كان كاملاً، برغم رفض حكومة شارون السماح لممثلي السلطة الفلسطينية بحضوره إلا انه لم يتم التركيز على الاثار السلبية التي يمكن ان تنشأ عن استمرار الاحتلال الاسرائيلي ومواصلة التنكيل الوحشي بالفلسطينيين. لقد حصر المؤتمرون اهتمامهم بالحصول على تنازلات واضحة من الفلسطينيين، بما يؤدي في الواقع الى حرمانهم، ليس من حق الدفاع عن انفسهم فحسب، بل حتى من تحديد خياراتهم المستقبلية بأنفسهم. فالارادة الاميركية كانت بارزة، سواء من خلف اللجنة الرباعية الدولية وتصوراتها، أو عبر التحرك البريطاني برغم التحدي الفظ الذي مارسته الحكومة الاسرائيلية في مواجهة هذا التجمع العالمي، وهو ما يبرر قلق الفلسطينيين وبقاء شكوكهم في اعلى درجاتهم. الاختبار الثالث اما في الاختبار الثالث، فيجد الفلسطينيون انفسهم في مواجهة بعضهم البعض، في حوار متجدد حول قضايا خلافية، بعضها قديم وبعضها الآخر انتجته ظروفه المواجهة المتصاعدة ضد الاحتلال الاسرائيلي. هناك مجموعة نقاط اشتمل عليها برنامج عمل «حوار القاهرة» الذي يتم تحت اشراف الحكومة المصرية وبرعايتها الكاملة، من ابرزها: ـ الموقف من اقتراح قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 4 يونيو 1967. ـ الموقف من موضوع «حق العودة» الذي يشمل جميع الفلسطينيين في الشتات، ويواجه رفضاً حازماً من الحكومة الاسرائيلية. ـ شكل ونوع المقاومة الراهنة ضد الاحتلال الاسرائيلي. ـ الموقف من العمليات الاستشهادية، سواء داخل اسرائيل، او ضمن الاراضي الفلسطينية المحتلة «حدود 4 يونيو 1967». ـ اعلان هدنة طويلة لمدة عام حسب الاقتراح المصري لاتاحة الفرصة لمعاودة المسيرة السلمية في الشرق الاوسط، ووضع الحكومة الاسرائيلية امام مسئولياتها. وثمة وجهة نظر فلسطينية، وايضا عربية، مفادها انه من الافضل، بل من الضروري ان تضع القوى السياسية الفلسطينية ميثاق عمل مشترك لاعتماده في المرحلة المقبلة ك«استراتيجية مؤقتة» تفرضها الظروف الاستثنائية التي تعيش المنطقة اجواءها منذ بعض الوقت، وهذا يتطلب التخلي عن بعض السياسات التي يتحقق حولها اجماع بين الفصائل الفلسطينية، وابرزها سياسة العمليات الاستشهادية الموجهة الى داخل التجمعات السكانية الاسرائيلية، وفي حين وافقت حركة حماس على تنفيذ بعض الخطوات التكتيكية انسجاماً مع متطلبات الظروف الراهنة والى حين تبين ملامح السياسة الاسرائيلية الجديدة، في مرحلة ما بعد الانتخابات الراهنة، إلا انها اكدت رفضها توقيع اي وثيقة في شأن الالتزام بهدنة طويلة اذا لم تنسحب القوات الاسرائيلية من المناطق الفلسطينية التي اعادت احتلالها بعد انفجار انتفاضة الاقصى، وكذلك رفض التنازل عن حقوق ثابتة للشعب الفلسطيني، ولقد حرصت «حماس» اخيراً على تنفيذ بعض العمليات الاستشهادية ضد تجمعات المستوطنين الاسرائيليين لتأكيد موقفها من النقاشات الدائرة حول دور المقاومة في المرحلة المقبلة. وعلى ذلك من غير المتوقع ان ينتهي حوار القاهرة الى نتائج حاسمة قبل ظهور نتائج الانتخابات الاسرائيلية ومعرفة حقيقة السياسة التي تنوي «حكومة ما بعد الانتخابات» اعتمادها في التعامل مع القضية الفلسطينية، ومع الاقتراحات السلمية في صورة خاصة. الرابع.. وما بعده مع ان الاختبار الرابع «الحرب المتوقعة ضد العراق» لا يتعلق بالفلسطينيين وحدهم، ولا دور لهم فيه، وانما يشمل المنطقة كلها، إلا انهم قد يكونون الاكثر تأثراً بمجرياتها ونتائجها، الى جانب العراق نفسه، فقد اصبح من الواضح ان الحكومة الاسرائيلية هي اشد المتحمسين لغزو العراق، واستعداداتها العسكرية ترشحها لان تكون احد الشركاء الرئيسيين فيها، بغض النظر عن نوع هذه المشاركة، كذلك فإن لدى شارون خططا معينة خاصة بتصفية القضية الفلسطينية اذا نجحت الحرب الاميركية وحققت كامل اهدافها. ويرى المحللون انه في ضوء هذه الاعتبارات كلها، يتعذر على الفلسطينيين وضع برنامج سياسي موحد وقابل للتنفيذ، في الظروف الراهنة ذلك ان الحكومة الاسرائيلية هي التي تملك زمام المبادرة بفضل الدعم الاميركي غير المحدود لها، وبسبب عدم ترددها في استخدام «القوة المفرطة» ـ بحسب المصطلح الغربي ـ ضد المدنيين الفلسطينيين، فضلاً عن التأكيد المستمر على مواصلة الاحتلال الى حين اجبار الشعب الفلسطيني على الرضوخ والاستسلام. فماذا باستطاعة القاهرة ان تفعل حيال ذلك؟ وماذا يتبقى للفلسطينيين سوى الدفاع عن انفسهم، وبالوسائل المتاحة، وهذا اضعف الايمان. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا