الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 هل يمكن ايصال الأبناء الى مستوى من الالتزام السلوكي والخلقي دون ان يكون الضرب إحدى الوسائل التربوية المستخدمة لتحقيق ذلك الهدف؟ وكيف يمكن الحصول على رجل يستطيع تحمل الشدائد وهو لم يتلق يوما بعض العلقات الساخنة التي من شأنها أن تبصره بأخطائه وتعيده الى جادة الصواب؟ مثل هذه الاسئلة كثيرا ما تتردد على ألسنة بعض الآباء والأمهات الذين ضعف لديهم ـ مع الأسف الشديد ـ تصور القواعد التربوية القادرة على صناعة الانسان المدرك لمسئولياته، والمرتبط بأدواره الأسرية والمجتمعية على نحو يثير الاعجاب ويستمطر الثناء. كما غاب عنهم ـ بالضرورة ـ معرفة الخطوات الصحيحة التي يتم من خلالها تطبيق تلك القواعد وخلق أجواء فاعلة تتيح للأبناء النمو المتوازن في النواحي النفسية والعقلية والبدنية وتحفزهم على التفاعل الايجابي مع البيئة الاسرية والمدرسية، وتطالبهم باتخاذ مواقف مسئولة ازاء احداث الحياة المختلفة. ولأن الصحة النفسية للأبناء دليل على تحقق التوازن الداخلي، واشباع الحاجات العاطفية والروحية والعقلية لديهم، فان تركيز الابوين على ان يتمتع ابناؤهما بالصحة النفسية السليمة يجب ان يكون هو الهدف المنجز الذي يضمن وجود طاقة من الافكار الايجابية حول الذات والأسرة والمجتمع. وازاء مثل هذا الطرح المثالي للمناخ الايجابي الواعد يحق لنا أن نتساءل من جديد عن امكانية ان يؤدي الضرب الى التمتع بالصحة النفسية وعن مدى فاعلية العنف السلوكي ضد الأبناء في اشعارهم بتقبل ابنائهم لهم وحرصهم على التواصل الايجابي معهم. ان الصحة النفسية تاج على رؤوس الأبناء الذين حباهم الخالق بآباء يحترمون انسانية الانسان ويدركون ان اجمل ما في النفس البشرية شعورها بالكرامة والعلو والتميز، ويؤمنون ان اهانة الانسان حتى ولو كان لا يزال صغيرا في السن هي عمل سلبي مهما كانت المبررات التي قد يسوقها دعاة العنف، اولئك الذين يعتقدون ان خريجي مدرسة الضرب هم من سيصنع الحضارة، ويغير مجرى التاريخ. وقد اخطأوا في دعوتهم من حيث لا يشعرون فالعنف لا يولد الا العنف المضاد. والقسوة لا تخلق الا القسوة، والافتقار الى تحفيز الابن على السلوك الايجابي من خلال تكوين القناعات، وتقديم معايير صحيحة لن يؤدي في النهاية الا الى سلسلة من الاخطاء التي تدور بين افراد هذه العائلة التي أخطأت الوصول الى الهدف الصحيح. حال مثل هذه العائلة اشبه بحال فريق كرة قدم للناشئين يقودهم شخص ضعيف البصر، وكلما ارادوا ان يستدركوا اخطاءهم صاح فيهم: الرمية من هنا. ولان بصره ضعيف فمن الطبيعي ان يخطئ تحديد مكان الرمية القادرة على اختراق الشباك والاستقرار فيها!! وهكذا لا يسمح العمر الصغير لاعضاء هذا الفريق ولا التجربة المحدودة، ولا القائد الذي لديه خلل في الابصار ان يتقدموا بمستواهم، او ان يحققوا شيئا يشعرهم بتميزهم طالما ان البيئة الاسرية تفتقر الى مقومات النجاح في تنفيذ الأهداف التربوية الطموحة. والآثار الطويلة المدى التي تنعكس على الافراد الذين ينتمون الى اسر تمارس العنف ضد ابنائها هم أحد ثلاث فئات تمثل غالبية افراد هذه المجموعة. فاما ان يصبحوا أبناء متمردين على ذويهم ومجتمعاتهم يجيدون ممارسة العنف وتصديره، ويميلون الى التطرف في أقوالهم وأفعالهم، ويؤمنون أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم. وكأن المشاعر السلبية التي تسربت الى العقل الباطن طيلة سنوات الجفاف العاطفي الاسري هي التي تقود اصحابها في الكبر لينتقموا من الحياة التي لم تعطهم الكثير حين كانوا احوج الناس الى الرعاية والاهتمام والدعم بشتى صوره وأشكاله. واما ان تكون ردة فعلهم تجاه العنف الأسري احساساً بضآلة الذات، وعدم القابلية للنمو والتطور، والشعور بقلة الفاعلية وضعف الموارد الذاتية التي تؤهل افراد هذه الفئة ليكونوا اناسا قادرين على العطاء في مجتمعاتهم مما يؤدي بهم الى الانطواء والعزلة وعدم الرغبة في المشاركة في الحياة العملية. واما ان يكونوا ضمن افراد الفئة الثالثة التي سنتعرض الى بيان ردة فعلهم تجاه العنف الأسري الذي مورس ضدهم في الغد بإذن الله.