الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 عندما أحاور أديبا مبدعا يتملكني فضول الأديب وليس الصحفي، أن اكتشف عالمه، ورؤيته وعاداته، خاصة اذا كان الأديب كبيرا، راسخا، أو يمت الى ثقافة مغايرة. كنت أفكر عند قطع الطريق المؤدي الى المطعم المطل على القناة الشهيرة لمدينة كوبنهاغن في عبارة قالها شاعر عراقي صديق يقيم في الدنمارك منذ سنوات عديدة كلاجئ سياسي، انه لو قرأ الشعر الدنماركي قبل طلب اللجوء لما أقدم عليه، عبارته تلك جعلتني أتابع ما تيسر من ترجمات هذا الشعر الى العربية، والى الانجليزية، عندئذ أدركت معنى تلك العبارة، فالاحساس عميق جدا بالوحدة الإنسانية، بالبرودة، بالموت، انه انعكاس طبيعي للطبيعة القاسية، درجة البرودة القارسة، الليل الطويل معظم شهور السنة، الغريب ان البرد الروسي قاس أيضا، لكنه لم ينعكس في الأدب بهذه الحدة التي نجدها في أدب بلاد الشمال، ربما لأن تلك البلاد تقع على الحافة. حافة المعمور من الأرض، انها آخر حد العمار، كما كان يقول القدماء، يليها القطب الشمالي، تلك الاصقاع الجليدية اللانهائية. عندما اقتربت من المقهى والمطعم معا أسرعت الخطى. الفراغات الداخلية دافئة، طلعت معطفي وعلقته الى المشجب. قبل أن أتجه الى المائدة التي تجلس اليها كريستين توروب أهم أديبة روائية في الدنمارك الآن، بصحبتها الصديقة منى عبدالعظيم أنيس والتي تربطها علاقة قوية بكريستين. رغم انها تجاوزت الستين بشهور (مولودة عام 1942) الا انها تبدو في الاربعينيات هادئة الحضور، يألف الإنسان حضورها بسرعة. روايتها الأولى (بيبي) ترجمت الى لغات عديدة، وتحولت الى فيلم سينمائي، ولأن الرواية تدور حول منطقة فقيرة في كوبنهاغن بها الدعارة سألتها بدهشة، هل توجد دعارة في بلد يعرف الحرية الجنسية، من يذهب إلى هناك؟ فوجئت باجابتها المختصرة، الدالة. ـ كلهم يذهبون.. لقد عرفت هذه المنطقة من خلال اقامتها عدة سنوات، جاءت كريستين من الريف مثل العديدين الذين يقصدون المدينة بحثا عن الرزق، عن فرص أكثر ربحا على المستويين المادي والمعنوي، ولأنها تنتمي الى أصول فقيرة أقامت في حي فقير تقع فيه منطقة الدعارة الرخيصة، يقيم مثلها في غرف أو مساكن صغيرة، موظفون صغار، طلبة، عمال. والى جوارهم العاهرات، أي سوق الدعارة. هذه الاقامة في المنطقة لا تقابل باستنكار من الآخرين، من هنا عرفت كريستين الحياة السرية للمدينة عن قرب، اقامت في بداية السبعينيات لعدة سنوات، ثم انتقلت الى منطقة أخرى، في بداية الثمانينيات وعادت الى المنطقة لتلقي نظرة عليها من الخارج، في بداية السبعينيات صدرت لها الرواية الأولى (بيبي)، لكنها لم تنتشر، وزعت ألفي نسخة فقط، لكن الرواية التي دفعت بها الى الشهرة صدرت في أوائل الثمانينيات وفيها صورت أحوال تلك المنطقة، وباعت الطبعة الأولى ثلاثين ألف نسخة، وبعد أن تحولت الرواية الى فيلم تجاوز توزيعها المئة الف نسخة، الرواية اسمها «الجنة والجحيم» وفيها تصف الحي الذي تدار فيه الدعارة. أسأل السؤال نفسه الذي أوجهه الى المبدعين الأجانب، هل تمارس مهنة أخرى أم أنها تعيش من كتابتها؟ تؤكد كريستين انها تعيش من العائد المادي لمؤلفاتها، ان كتبها تدر عليها دخلا يوفر لها حياة مريحة، بل ان هذا بدأ منذ صدور روايتها الثانية في بداية الثمانينيات، منذ ذلك الحين هي متفرغة تماما للأدب. بالطبع تذكرت أحوالنا في وطننا العربي، حيث لا يوجد أديب يمكنه أن يعيش من عائد أدبه. شاعرا كان أو روائيا. حتى نجيب محفوظ الى ما قبل نوبل. لابد من مهنة اخرى للإنفاق على الأدب، وها انذا بعدما يقرب من نصف قرن متواصل مضطر لإنفاق معظم الوقت لأوفر ساعتين أو ثلاث لكتابة القصة والرواية، بدون الدخول في تفاصيل يمكنني القول انني مازلت أنفق على الأدب حتى الآن وهذا موضوع يطول الحديث فيه. ماهي أحوال الأديب الدنماركي؟ الرواية الناجحة تبيع من ثلاثين الى خمسين ألف نسخة، عدد الذين يتكلمون الدنماركية حوالي خمسة ملايين ونصف. هذا الرقم يمكن أن يوفر مبلغا جيدا كل عام يستطيع الأديب أن يعيش منه. بالطبع هناك هيئات تراقب التوزيع. وتحمي حقوق المؤلف. اذا تحولت الرواية أو القصة أو القصيدة الى أي وسيلة اخرى يتقاضى المؤلف حقوقا جيدة، كأن تتحول الى الفن الاذاعي، أو المرئي. سواء كان ذلك في التلفزيون أو السينما أو المسرح، الى هنا والامر يبدو عاديا، لكن ما كان بالنسبة لي مثل العجائب ما عرفته عن حقوق المكتبات. المكتبات العامة التي يتجاوز عددها الثلاثين ألفا في الدنمارك، تقتني نسخا من الكتاب، طبعا هذا عادي، ويدعم توزيع الكتب، لكن المثير والمدهش أن المؤلف يتقاضى حقوقا عن كل مرة تعار فيها النسخة الى القارئ، أي كلما استعار أحد القراء الكتاب يطالعه ويعيده يتم تسجيل مبلغ يجمع في نهاية العام ليضاف الى ميزانية الأديب، هذا لم أجده في أي بلد آخر، بالطبع هناك حقوق على الوسائط الحديثة مثل الكتاب الالكتروني، وشبكة الاتصالات الدولية (انترنت). ولو قام ناقد باقتباس جزء من العمل يزيد عن حد معين فلابد أن يدفع للمؤلف، ولو أجرى صحفي حوارا مع اديب سواء كان لجريدة، أو لاذاعة أو لتلفزيون فلابد من مقابل، وهذا المقابل ليس رمزيا، بل مرتفع، كذلك يتقاضى الأديب حقوقا عن المشاركة في الندوات العامة والخاصة. من الطبيعي بعد هذا كله أن تبدو كريستين هادئة، غير قلقة، رغم ان عدد رواياتها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، كانت تجسيدا حقيقيا لما سمعته دائما عن نجاح كتاب واحد. الذي يكفي ليصبح الكاتب في حالة تفرغ للأدب، طبعا هناك عنصر آخر لم اذكره وهو الجوائز، لقد نالت رواية «بيبي» و«الجنة والجحيم» عدة جوائز دنماركية وعالمية، أعود لأستفسر من كريستين عن بداياتها؟ أتوقف عن المقارنة بين احوالي وأحوالها لأن المقارنة غير قائمة أصلا. تقول كريستين انها نشأت في الريف حيث الثقافة السائدة شفهية، فالناس تحكي، وتتحدث بالامثال والاشعار المتوارثة أكثر من الكتابة، لذلك واجهتها مشكلة عندما بدأت محاولات الكتابة في منتصف الستينيات، بدأت بالقصائد الشعرية، فيما بعد اصبحت هذه القصائد موضوعات لقصتها. واجزاء من رواياتها. من خلال الشعر تعلمت كيف تكتب أدبا، كيف تعبر عن المشاعر والواقع بالكتابة وليس بالحكي، وهنا اسألها عما اذا كانوا يعرفون مشكلة اللغتين في الدنماركية لغة الحياة اليومية، ولغة الكتابة كحالنا في العربية؟ تؤكد ان الازدواجية موجودة، ثمة لغة شفوية، وثمة لغة كتابية، الوضع مقارب للعامية والفصحى عندنا في العربية، لكنها تقول انها واجهت مشكلة أخرى، وهي البحث عن أسلوب خاص بها، أسلوب يمكنها من كتابة المحكى العادي، اليومي، الشفاهي، بلغة أدبية، بحيث أن القارئ يمكنه مطالعة لغة أدبية لكنها محملة بتقاليد اللغة اليومية، الشفوية. هنا فكرت في خصوصية الكتابة العربية، واختلافها من منطقة الى اخرى. أو ما أطلق عليه أساتذتنا أحمد ضيف وأمين الخولي اقليمية الأدب، وتذكرت البحث القيم للأديب التونسي البشير بن سلامة عن نظرية الايقاع في الفصحى، ومحاولاتي المستمرة لاستخدام ايقاعات العامية في الفصحى، حقا.. تختلف اللغات، ولكن الهموم الابداعية تتشابه. تقول كريستين ان الكتابة تجرد اللغة الشفهية من امكانيات عديدة، مثل الايماءات، والايقاعات. الحركات المصاحبة للحديث، تعبيرات الوجه، الكتابة تحرم اللغة من هذا كله لذلك كان همها اثناء السنوات الأولى الوصول الى أسلوب خاص، لقد ساعدها الشعر في البداية على تحقيق ذلك. تحدثني كريستين عن روايتها التي تدور أحداثها في حي الدعارة، وهنا اسألها عن حدود الفقر في الدنمارك، المعروف أن مستوى المعيشة من اعلى المستويات في العالم. ولكن تكاليف الحياة أيضا مرتفعة جدا، بعض النساء يعشن بمفردهن ويعلن طفلا أو اثنين، ولا يعملن، الضمان الاجتماعي لا يكفي. يتطلع البعض من الفقيرات الى اقتناء ما يعرضه المجتمع الاستهلاكي، كل هذه أسباب تدفع الأناث الى سوق الدعارة، في فترة الدراسة يكون عاديا بالنسبة للناس فقر الطلبة، وتكون تكاليف الحياة أقل، لكن مع العمل وقلة المرتبات وكثرة الطموحات تظهر الحاجة الى المال، هناك نوعان من الدعارة، الدعارة التقليدية، أي تعتمد المرأة على جسدها في تكسب معاشها، وهناك من يذهبن مرتين أو ثلاث الى الحي لزيادة دخلهن. سكتت كريستين لحظات. ثم قالت ان الدنماركيات يواجهن منافسة قوية الآن من الاناث القادمات من الدول الاشتراكية سابقا. انهن على درجة عالية من الجمال وارخص سعرا. قلت: هل تفكرين في رواية أخرى عنهن؟ قالت: طبعا.