الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 التكهنات الاعلامية التي تقوم البنتاغون الاميركية (وزارة الدفاع) بتسريبها بانتظام الى وسائل الاعلام الاميركية تتمحور حول «التبشير» باندلاع الحرب ضد العراق مع مرور كل يوم، تقول التحليلات والروايات المسربة، يزداد احتمال شن الحرب غير ان الواقع يفيد بعكس ذلك كما يبدو، مع التدويل الشعبي لقضية العراق كما تعكس المظاهرات العارمة التي باتت تجتاح العالم من اقصاه الى اقصاه. ان الصورة سوف تكتسب وضوحا اكثر الاسبوع المقبل عندما ينعقد مجلس الامن الدولي للاستماع الى تقرير مهم من رئيس لجنة التفتيش الدولية هانز بليكس ومدير اللجنة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، عن آخر حصيلة لنشاط فرق التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق فالمتوقع ان تندلع معركة دبلوماسية بين الولايات المتحدة من ناحية والقوى الدولية الكبرى الاخرى من ناحية اخرى. هل يعتبر تقرير بليكس (ومعه تقرير البرادعي) الفصل الاخير في قصة العراق أم بداية فصل ـ وربما فصول ـ جديدة؟ هذا السؤال مبني بالطبع على فرضية تسندها شواهد ومقدمات بأن العراق لن يسلم من انتقاد مباشر من قبل رئيس اللجنة الدولية، فقد ظل بليكس يردد خلال الايام الاخيرة انه بالرغم من تعاون السلطات العراقية مع فرق التفتيش الا انه تعاون سلبي.. ومن ثم يطالب بليكس العراق بتعاون «ايجابي». وانتقادات بليكس لا تأتي من فراغ بالنظر الى واقعتين تثيران شكا حول السلطات العراقية. في الواقعة الاولى عثر المفتشون على رؤوس صواريخ كيماوية فارغة، وفي الثانية عثروا في بيت عالم عراقي على وثيقة من ثلاثة آلاف صفحة تتصل بصنع اسلحة نووية. ان الحادثتين في ذاتهما لا تثبتان شيئا ذا بال كما يقول المفتشون انفسهم فرؤوس الصواريخ خالية من اي مواد كيماوية وفاقدة الصلاحية والوثيقة المكتوبة تتعلق بالبرنامج النووي العراقي القديم الذي انتهى في الثمانينيات. لكن السؤال الذي يطرحه بليكس ورفاقه هو: لماذا لم يورد العراق اي ذكر لهذه الرؤوس وللوثيقة في الاقرار الرسمي الذي تقدم به الى مجلس الامن الدولي؟ هذا السؤال يطرح على سبيل التشكيك في المسلك العراقي لانه يثير تساؤلا حول ما اذا كانت الحكومة العراقية تخفي معلومات اخرى بشأن اسلحة الدمار الشامل، ربما تكون ذات اهمية ويمتد هذا التساؤل من وجهة نظر بليكس الى مطالبته السلطات العراقية بتقديم ادلة تثبت الادعاء العراقي بأن هناك اسلحة جرثومية وكيماوية قد دمرت بالفعل. فهل تعتبر انتقادات وتساؤلات وشكوك بليكس اساسا على صعيد مجلس الامن الدولي لاتهام العراق بأنه ارتكب «انتهاكا ماديا» للقرار 1441، مما يبرر اتخاذ اجراء عقابي ما ضده وفقا لنصوص القرار؟ وهل ينبغي ان يكون هذا الاجراء العقابي بالضرورة شن حرب على العراق؟ الولايات المتحدة تريد بالطبع ان تكون الاجابة عن هذين السؤالين بالايجاب لكن هل تتجاوب القوى الاخرى؟ من المقطوع به ان هناك اربع دول كبرى في مجلس الامن الدولي ترفض خيار الحرب ضد العراق، وهي فرنسا وروسيا والمانيا والصين، ثم ان هذا الخيار بات الآن مواجها برفض عالمي متعاظم على الاصعدة الشعبية كما تعكس المظاهرات العارمة المتتالية خاصة داخل الولايات المتحدة. لقد حدثت فورانات شعبية هذا الاسبوع انتظمت أركان الدنيا الاربعة، من واشنطن وسان فرانسيسكو الى طوكيو وسيئول عبورا بلندن وباريس وبرلين، وصار العالم موعودا بمظاهرات اشد في الاسابيع المقبلة، واذا كان هذا هو الحال وقرار الحرب الاميركي لم يتخذ بعد فكيف يكون الحال اذا اعلنت الحرب او شنت بالفعل؟ واذا كانت المظاهرات تخرج بما شهدنا من ضخامة وحماسة وشراسة هذا الاسبوع في عواصم ومدن الغرب والشرق في ذروة شتاء قارس.. فكيف يكون الحال عندما يأتي الربيع ومن بعده الصيف؟ ان هناك مغزى واحدا للمشهد الدولي الرسمي على صعيد مجلس الامن، والمشهد العالمي الاعرض على صعيد الشارع في العالم.. وهو ان المسألة العراقية ليست قضية عراقية وانما هي قضية شملها تدويل يتسع نطاقه ويشتد زخمه يوما وراء يوم، ومعنى ذلك ان خيار الحرب الاميركي سوف يتضاءل مع مرور الايام.. وليس العكس كما تفيد الانطباعات الاعلامية التي يدبرها سلفا جنرالات البنتاغون الاميركية، ويبدو ان الامر يتحول تدريجيا بالرغم من وتائر التحشيد العسكري الاميركي الى حرب نفسية. ان الادارة الاميركية تجد نفسها الآن في مأزق فهي لا تستطيع ان تشن حربا تعارضها حكومات وشعوب غربية بما فيها الشعب الاميركي، دون ان تركب مخاطرة قد تنتهي الى استقالة الرئيس بوش كما جرى لسلفه ريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي عندما تحولت شوارع واشنطن الى ساحات قتال بين الجماهير و«الحرس الوطني». اما اذا ارادت ادارة بوش ان تلغي خيار الحرب فانها لن تجد ما تقوله لشعبها، بعد تصعيد عسكري امتد لشهور طويلة مصحوبا بحملة اعلامية ضارية.