الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 في كل مرة تهلّ فيها تباشير عام جديد تتجه الانظار نحو المستقبل وتأخذ وسائل الاعلام في تغطية القضايا المتعلقة به، فتكثر من الادبيات والبرامج التي تحاول استشفاف مجاهله والتكهن بما يحمله في جعبته من مخاطر وآمال، ومع بزوغ شمس عام 2003، رأينا ان نختار موضوعاً حساساً وبالغ الاهمية ليكون مجالاً للتحري والتقصي، فلم نجد اجدر وأولى باهتمامنا من البيئة ومشكلاتها العويصة الشائكة. وسنستند في معالجتنا الى مضمون كتاب صدر باللغة الانجليزية بعنوان future of environ ment اي «مستقبل البيئة» وقد قام بتأليفه فريق من الخبراء العالميين الذين تصدوا للمسألة من منطلق عملي يقوم على الجمع بين المشكلات البيئية وقضايا العالم المختلفة، كالجوع والتسلح والمرض والحروب والفقر والجريمة وتكاثر السكان. ويتخذ الحديث على المستقبل عادة، اتجاهين، يرتبط احدهما بالممكن وثانيهما بما هو مرغوب فيه ويَجمعُ الكتاب الذي نحن بصدده، بين الطريقتين، فيدعو الى جعل الانسان نقطة البداية، والى تبني سياسات وأفكار جديدة تهدف الى اعادة بناء المجتمعات وتلبية حاجاتها الاساسية كالغذاء والرعاية الصحية والتعليم والمشاركة الاجتماعية، جنباً الى جنب مع اعادة بناء البيئة، من خلال صيانة الطبيعة والافادة من الفضلات والنفايات ومحاربة التبذير توفيراً للموارد المحدودة. ويجمع مؤلفو الكتاب على ان السبيل الى تحقيق ذلك يكمن في الاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة الملائمة، وبالمساعدات الخارجية للدول الفقيرة، وبالتعليم الفعّال وتطوير وسائل الاتصال، وبالاستخدام الافضل لفكرة المناطق المحمية، والربط الاوثق بين السلام وحفظ البيئة. ويشتمل الكتاب على عدة فصول منها فصل حول مسألة المواقف الاخلاقية تجاه البيئة، وفيه يدعو الكاتب الى الافادة من الاديان والتقاليد التي تتضمن ارشادات اخلاقية لحماية الطبيعة، مبيناً ضرورة توسيع مبدأ حقوق الانسان ليشمل ايضا حقوق البيئة! التربية البيئية وهو يعرّف عبارة «الاخلاق البيئية» بأنها تعني حض الناس وتشجيعهم على تبني اهداف الاستراتيجية العالمية لصيانة البيئة، ومباديء الوثيقة العالمية للطبيعة. وهذه الاهداف والمباديء تدعو جميعها الى الحفاظ على البيئة وعدم ايذائها. ويرى الكاتب ان من الضروري تشجيع اقامة روابط وثيقة بين علماء البيئة وصانعي السياسة البيئية، من جهة والكتاب والمثقفين وممثلي التقاليد الاخلاقية، من جهة اخرى، لان هؤلاء بكتاباتهم وتوجيهاتهم يستطيعون كشف الاسباب الايديولوجية الحقيقية الكامنة وراء فشل الانسان في تطوير قيم اخلاقية بيئية بناءة تؤدي الى حماية البيئة، كما ان بامكانهم التأثير في الناس وحضهم على اتخاذ مواقف اخلاقية ايجابية لصالح الطبيعة، ويأسف الكاتب لان بعض التقاليد الغربية وحتى الشرقية تشجع تدمير البيئة وكأن مهمة الانسانية قهر الطبيعة وتسخيرها لصالح الشر، ولكن لحسن الحظ بدأت تظهر اليوم تقاليد حياتية جديدة تدعو الى عكس ذلك. وهناك فصل خاص بدور التربية كتبه «د. س. بت» وبدأه بتناول موضوع المستقبلية مبينا ان فشل التنبؤ بالمستقبل يعود الى اسباب عديدة اهمها الاعتماد المبالغ فيه على المؤشرات الكمية بدلاً من المؤشرات الكيفية. وينتقل الكاتب بعد ذلك الى التربية موضحاً ان المشكلات الكبرى التي يعاني منها العالم اليوم كالفقر في العالم الثالث والتصحر والتلوث والتسلح وانقراض الاجناس، لم تتم تغطيتها بشكل مناسب في مناهج التربية البيئية في كثير من الدول، ومن جهة ثانية فإن التربية البيئية تأثرت بشكل سلبي من جراء تراجع التعليم العام والذي يتبدى في مظاهر كمية وكيفية. فهناك عدد كبير من اطفال العالم لا يذهبون اليوم الى المدرسة، ويقدر ان طفلاً واحداً من بين ثلاثة اطفال في العالم الثالث يدخل المدرسة ونذكر ايضا مشكلة عدم تساوي الفرص التعليمية واهمال الريفيين وغيرها من المشكلات التي لا حصر لها. ويعتقد بت ان التربية البيئية يجب ان تحتل الاولوية في استراتيجيات حماية البيئة في المستقبل وألا تعمل في فراغ، بل بوصفها جزءاً من نظام بيئي متكامل، وان تستجيب، كذلك وبشكل مناسب للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية كما يدعو الكاتب الى بذل جهود اعظم في سبيل تنسيق النشاطات الدولية البيئية وتشجيع الحوار بين النظم الثقافية والاجتماعية المختلفة حول التربية البيئية، ومن الضروري ايضا تعميق الروابط بين المشكلات البيئية والمشكلات العالمية المعاصرة مثل الفقر والتسلح وانعدام العدالة والمساواة وغير ذلك. ومن اكبر فصول الكتاب واهمها فصل بعنوان «الاتجاهات المستقبلية للسياسة البيئية» وفيه يتصدى «ت. اوربردان» لقضايا البيئة المستقبلية من منظار واسع مبينا ان هناك اربع ثورات بيئية هبت على العالم، الثورة الاولى ارتبطت بانبثاق الرومانتيكية في اوائل القرن الثامن عشر حين كان الكتاب والشعراء من امثال وورد سوروث وامرسون وتشيكوف وتولستوي يرون في الطبيعة رمزاً لحياة المجتمع البشري ومثالاً يفرض معايير وقيما اخلاقية تقدس البيئة بما فيها من اشجار ومياه وتتغنى بها، اما الثورة الثانية، الثانية فقد بدأت في نهاية القرن الثامن عشر واستمرت حتى بداية القرن العشرين، وهي تمثل مرحلة قيادة البيئة والافادة منها لصالح بني البشر، وفي حين وضع الرومانتيكون الطبيعة في مستوى الانسان، فإن انصار قيادة البيئة رأوا فيها ثروة اقتصادية يجب تسخيرها في سبيل الانسان، فتدخلوا في عملياتها واستنزفوا خيراتها وفي منتصف الستينيات من القرن الحالي ظهرت الثورة الثالثة التي تتسم بالنمو الاقتصادي السريع وتطور وسائل الاتصال الحديثة، وباستحواذ المشكلات البيئية على اهتمام الصحافة واجهزة الاعلام وظهور القوانين والمؤسسات البيئية، انها مرحلة تنظيم البيئة وضبط التلوث والحفاظ على الموارد، بطرق منهجية. وعلى ما يرى الكاتب، فإننا قد خطونا منذ سنوات نحو اعتاب الثورة البيئية الرابعة التي تتسم بتمحور النظرة حول الانسان بوصفه مسئولاً عن دمار البيئة. مما يستوجب العمل على تحويل هذا الانسان من سبب لخراب البيئة الى سبب لانقاذها، ويتم ذلك بالتجديد التكنولوجي وتنسيق السياسيات للافادة من موارد البيئة وتخفيف الهدر فيها، وكذلك بالربط بين العلاقات الاجتماعية من جهة، والعلاقة بين الانسان والبيئة من جهة ثانية وعندما يمد اوريوردان بصره الى المستقبل، وبالتحديد الى بقية القرن الحالي والقرن الذي بعده، يرى كثيراً من المشكلات البيئية التي تهدد مستقبل الحياة على الارض، ولكن اخطرها جميعا في نظره ما تسببه الاقتصاديات الفقيرة المنهارة في الدول النامية من تهديد للحياة البيئية. فهناك مئات ملايين الناس يفتقرون الى الحاجات الاساسية من مأكل ومأوى وملبس وخدمات صحية، كما ان اعداداً اخرى مماثلة لا تستطيع نيل التعليم الاساسي او الحصول على عمل. وهذا الوضع بالاضافة الى كونه غير مقبول من الوجهة الانسانية، فإنه ايضا يشكل تهديداً للبيئة، فعندما لا يستطيع الانسان تلبية حاجاته الاساسية، تنشأ ضغوط تجعله يحاول تلبيتها بأي شكل، كأن يستغل موارد البيئة بطرق ضارة مثل قطع الاشجار مثلا، للحصول على الخشب، ويرى الكاتب ان ما يعيق الخلاص من الفقر الذي يثقل كاهل اعداد هائلة من البشر، هو تمركز القوة الاقتصادية الاساسية في الدول المتقدمة التي تحتكر الموارد مقابل تمركز جزء كبير من الموارد غير المستثمرة في الدولة النامية التي تفتقر الى التقانات المناسبة اللازمة لاستغلال هذه الموارد وتطويرها لصالح شعوبها. ويرى اوريوردان صعوبة في التنبؤ بالعواقب المستقبلية فيما لو استمر التدهور البيئي والحرمان الاجتماعي اللذان ينوء بهما العالم الثالث، وتشير جميع التقارير الى ان هذا ما سيحدث فعلاً على الرغم من كل برامج المعونة التي تقدمها الدول الغنية لانعاش البيئة وتطوير الموارد في الدول الفقيرة مما سيجعل هذه الدول عاجزة عن الايفاء بديونها ويهيب الكاتب بدول الشمال ان تنسق جهودها لتقديم مساعدات تنمية الى دول الجنوب، وان تتبع سياسات جديدة في هذا المجال، فزمن منح المساعدات لاهداف سياسية واستراتيجية قد ولّى، لان فقر أهل الجنوب اقوى من ان يتسع لمثل هذه السياسات القديمة، اما السياسات الجديدة فيجب ان تتجه نحو توفير مساعدات تهدف الى التنمية والتطوير. كوارث الانسان وفي فصل «استراتيجيات الصيانة» يبين الكاتب انه تجري اليوم اعادة النظر في استراتيجيات الصيانة التي كانت قائمة حتى نهاية السبعينيات والداعية الى صيانة الاجناس وحماية مناطق البيئة، لان هذه الاستراتيجيات اهملت عدة مشكلات اساسية مثل الفقر والتسلح والاطر المؤسساتية والعوامل الثقافية. وبالنسبة للمستقبل يبين الكاتب ان الضوء يجب ان يتجه نحو الحاجات الاساسية للفقراء، نظراً لتعاظم الارتباط بين التنمية وصيانة البيئة. ومن بين هذه الحاجات التغذية والرعاية الصحية والتعليم الاساسي وغيرها، ويحدد بت بعض اهم المشكلات البيئية كالتصحر الذي تعود اسبابه الى عوامل مناخية واجتماعية واقتصادية، بالاضافة الى العوامل السياسية والحروب، اما تراجع الغابات، فإنه ناجم عن ظواهر عديدة مثل قطع الاشجار بهدف الافادة من الحطب وازالة الاراضي الزراعية بهدف الاسكان وذلك فضلا عن اسباب اخرى مثل الحرائق والتغيرات المناخية والضغوط البيئية المختلفة، ويشير الكاتب الى مشكلات التسرب النفطي والكوارث الكيميائية والامطار الحمضية والتسرب الاشعاعي، وهذه جميعها تؤدي الى موت الانهار والغابات والى تلوث اليابسة والطعام، وتحدث الظواهر المشار اليها على الرغم من كل القوانين والانظمة التي تمنع تلوث البيئة. ويرى الكاتب انه من أجل تلبية الحاجات الاساسية للناس وحل مشكلات البيئة لابد من اللجوء الى اجراءات لا حصر لها من بينها الاعتماد على ما يسميه بالتكنولوجيا ذات المقياس الصغير ٌّهٌَُُوكم مٌفك- ٌٌفٍ وعلى تقانات الكمبيوتر والاتصالات الحديثة، وكذلك على توسع المناطق النووية الحرة التي يحظر فيها اجراء التجارب النووية، وتشجيع فكرة المناطق المحمية، ويوضح لنا ماكينلي في الفصل التالي فكرة هذه المناطق مبيناً ان المقصود بالمناطق المحمية الاراضي المسيجة كالحدائق والمتنزهات ومجمعات المياه، فمثل هذه الاماكن لاتصل اليها يد التخريب البيئي. وقد احرزت هذه الفكرة في بريطانيا بخاصة نجاحاً باهراً وينصح الكاتب بالتوسع في المناطق المحمية، اي بوضع المزيد من اراضي البيئة تحت الحماية القانونية، مشيراً الى ان نجاح فكرة حماية المناطق بحد ذاته دليل على ان العلاقة بين الانسان والطبيعة ليست على ما يرام. وهي علاقة استغلالية للأسف ولو لم تكن كذلك لما اتجهنا الى سن القوانين لحماية المناطق من أذى الانسان. وفي فصل «الحقيقة البيئية الملحة» يبين الكتاب ان الانسانية تدخل اليوم عصراً جديداً نحتاج فيه الى تفكير جديد يختلف بصورة كاملة عن التفكير القديم، لان النظام الحالي للاشياء، اذا بقي على ما هو عليه فإن الجنس البشري سوف يختفي من على وجه الارض ويشير الكاتب الى الكوارث البيئية التي حلت بالطبيعة مبيناً اسبابها المتعددة مثل المذنبات والكوكيبات الصغيرة التي تزحف على الارض وكذلك التغيرات التي تحدث في مقاييس مدار الارض، ومما يؤدي الى تغيرات مناخية، وبالاضافة الى ما سبق فإن طبيعة تطور المادة الحية ينتج عنه تغيرات دراماتيكية في البنى المنظمة لنباتات او حيوانات حقبة ما. وهذه جميعها اسباب موضوعية خارجة عن الارادة، ولكن هناك كوارث بيئية سببها الانسان نفسه، والدليل على ذلك ما يحدث في افريقيا والشرق الاوسط حيث فقدت البيئة خصوبتها وغناها بسبب تدخل الانسان. ويبدي الكاتب تخوفه من خطرين كبيرين، اولهما وقوع حرب نووية محتملة، وثانيهما تلوث المحيطات والذي يمكن ان يؤثر بشكل قوي في السمات المناخية للارض، وهو يرى ضرورة التوسع في الابحاث العلمية البيئية من اجل الوصول الى حلول للاخطار التي تهدد الطبيعة، مؤكداً الحاجة الى نظرات واخلاقيات جديدة في هذا المجال. ـ كاتب سوري