الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 تثير التحولات التي تشهدها السياسات الخارجية التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر اهتمام المحللين والمراقبين، وتشير تطورات الأحداث خلال هذه الفترة بدءا من العملية العسكرية في أفغانستان إلى التهديد بالعدوان على العراق إشارات قوية إلى أن هذه الأحداث، التي اعتبرت انعكاسا لتحولات جذرية في الرؤية منحت تيارات بعينها على ساحة السياسة الأميركية فرصة الإمساك بدفة القرار السياسي الأميركي وبخاصة فيما يتصل بعلاقات الولايات المتحدة مع العالم. وإذا بقي الخطاب التحليلي العربي أسير مقولات سيطرة الشركات عابرة القارات ومجموعات الضغط التي تمثل أصحاب المصالح الاقتصادية الكبيرة على القرار، فسنترك خصومنا الحقيقيين ونحارب طواحين الهواء. وعندما خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية تقود التحالف المنتصر منتشية بقنبلتها النووية والاقتصاد الأقوى في العالم الغربي كان الانتصار قد صنع نخبته، ممثلة بشكل رئيسي في مجمع الصناعات العسكرية الأميركي الذي تضخم بشكل فرضته ظروف الحرب حتى أصبح القطاع القائد على المستويين الصناعي والتقني، وقد نجح هذا المجمع من خلال واجهات سياسية مدنية أن يسيطر بشكل شبه تام على السياسة الخارجية الأميركية حتى بداية السبعينيات من القرن المنصرم عندما وضعت اللبنات الأولى لسياسة الوفاق بين القطبين. وحتى وصول رونالد ريجان الجمهوري المتصهين للمكتب البيضاوي في البيت البيض كان النفوذ الصهيوني منحصرا بشكل أساسي في مؤسسات اللوبي التي كان اليهود الأميركيون يشكلون عمادها، وشهدت سنوات حكم ريجان الصعود الأكبر للتيارات الأصولية الصهيونية المسيحية التي اتخذت موقفا أكثر تطرفا من مؤسسات اللوبي الصهيوني نفسه، وكرست المقولات الصهيونية في بساطتها وعدوانيتها ومنحتها رصيدا كبيرا من المصداقية وأشاعتها في الخطابين السياسي والإعلامي، حتى تكاد الآن أن تكون أوضح سماته. وبالتوازي مع هذا التيار اكتسب التيار المحافظ اليميني، برؤاه الإمبريالية العنصرية، مدى ملحوظا في الحزبين الأميركيين الكبيرين، وإن كان وجوده الأكبر لم يزل في الحزب الجمهوري بالأساس، والتقت رغبة هذا التيار في أن تتبع الولايات المتحدة الأميركية سياسات خارجية أكثر اعتمادا على القوة مع رغبة التيار الصهيوني المسيحي ـ مدفوعا بالإيمان العميق برؤى نبوئية لنهاية العالم ـ في بناء جسور قوية بين القناعات والسياسات، على نحو يصبح العالم معه ساحة حرب بين قوى الخير وقوى الشر بالمعنى الحرفي. وترافق مع هذا ـ للأسف الشديد ـ تأثر التيار الليبرالي في السياسة الأميركية بحقيقة أنه الآن يمثل الأقلية، وأن الطبيعة التبشيرية للخطاب السائد على الساحة الأميركية تركت بصمات واضحة عليه فأصبح هو الآخر ـ إلى حد بعيد ـ يدعو لفرض الديمقراطية على الآخرين بالقوة، بالحماس نفسه الذي تطالب به التيارات التبشيرية بفرض المسيحية على الآخرين. وباجتماع هذه التيارات أصبح العالم أمام قوة دافعة هائلة لفكرة أن تصطدم الولايات المتحدة بمن يمنعونها من تبشير العالم برسالتها، وهذه الرسالة هي بالنسبة للتيار المسيحي الصهيوني «هرمجون النووية»، وبالنسبة للتيار التبشيري الديني: «المسيحية»، وبالنسبة للتيار الليبرالي في طبعته الجديدة: «الديمقراطية»، وبالنسبة لليمين المتشدد: «الهيمنة الأميركية». وسواء كان المبرر أحقية الولايات المتحدة أو مسئوليتها فإن النتيجة واحدة، وكل عقبة تواجه هذا المسعى لن تستطيع أن توقفه لأن الولايات المتحدة تبدو كما لو كانت تتقمصها روح «رسالية» كاذبة، لا تختلف عن الروح الرسالية التي تتقمص تنظيم «القاعدة» إلا من حيث الوجهة، فكليهما يعتقد أنه منوط به إنقاذ العالم، ومن كان هذا هدفه فلا يبالي بالضريبة التي يدفعها. وغني عن البيان طبعا أن «طهرانية الخطاب» لا تعني طهرانية الممارسة وغياب الأبعاد النفعية المباشرة اقتصادية كانت أو سياسية، بل يعني أنها مخبأة بشكل مصقول خلف الخطاب الأصولي الأميركي، وكارتلات النفط والسلاح جزء رئيسي من آلة الهيمنة، تؤثر فيها وتتأثر بها لكنها لا تحتل موقع القيادة. وهو ما يؤكد أننا إزاء ديكتاتورية النبوءات ـ الدينية والأيدلوجية على السواء ـ وهي ديكتاتورية أشد وطأة، فالهيمنة تبدأ فكرة قبل أن تتحول إلى أساطيل تنشر الخوف في العالم حيث ترفرف الأعلام الأميركية! ـ كاتب مصري