الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 لا تغيب عن المراقب للعمل السياسي في الكويت اليوم انه عمل أصبح مصاحب التوتر العالي، متأرجحا وغير مستقر، يخرج عن الإطار الذي يرسمه الدستور في العلاقة بين السلطات المختلفة، ويصب في مصب غير آمن للوطن، في الوقت الذي تهب فيه رياح قوية وعاتية في الجوار لا يعرف احد ما يمكن أن تؤول إليه في المستقبل القريب، سواء كانت باتجاه التغيير في بغداد أو الاستمرار، فكلاهما يحتاج إلى اعمال فكر كويتي ثاقب النظرة. استقالة وزير المالية والتخطيط والتنمية الإدارية الدكتور يوسف الابراهيم من الوزارة العتيدة، تنم عن عرض لمرض تمكن في العمل السياسي الكويتي في السنوات الأخيرة، إلى درجة أصبح معه ظاهرة عامة، فبجانب كون الابراهيم رجلا متخصصا وإصلاحيا، لا يشك احد لا في نزاهته ولا في نظافة يده، وجد الرجل أمامه من العقبات ما لا يستطيع شخص أن يسايره، كما أن العديد من الوزراء يسرون إليك متذمرين من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه، في الوقت الذي تعطلت فيه الكثير من قضايا الوطن الأساسية، لتدخل في مأزق تسجيل المواقف، أكثر مما تميل للإصلاح وحل المشكلات العالقة، وأصبحت الإدارة في اغلبها تنفيعا تحت الخوف من طائلة المساءلة السياسية، أو استجلاب منفعة للمراقبين، أكثر منها لخدمة خطة تنموية يحتاجها الوطن ككل، لا فئة من دون فئة. الوزارة الحالية تعرض أعضاؤها أكثر من أية وزارة سابقة، لاستجوابات برلمانية، بعضها يجده المراقب انها محقة الإجراء نابعة من منطق معقول من الاعتراض، ومتابعة للخطأ في التنفيذ، و بعضها الآخر يُقدم لمجرد تصفية حسابات، تكاد تكون شخصية، أو تحقيق مصالح ولا تخرج عن ذلك، كما أن البرلمان نفسه وجد أعماله شبه معطلة، إلى درجة أن يقدم أحد النشطين فيه، وهو العضو سيد حسين القلاف استقالته من العمل البرلماني، بسبب ما خبره من عمل سياسي غير منتج. التباس في الهوية التوتر في العمل السياسي الكويتي سوف يجعل من أيام الحكومة القائمة أيام أزمات، وقد يتطور الاختلاف المقبول في الرؤى إلى خلاف غير واضح الهوية، لا يعرف المواطنون سببا واضحا للنزاع ولا يتبينوا أسباب النزاع، مما يزيد الوضع السياسي قتامة. يرى البعض أن بعض الأسباب الموضوعية لهذا التوتر العالي غياب خطة متكاملة وموضوعية تريد الإدارة الحكومية أن تقوم بها، فقد تغيرت الحكومات في الكويت في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة، وأصبح الجميع في انشغال عن تنفيذ خطط تنموية طموحة ومتوسطة الأجل بالانشغال بإرضاء هذا أو ذاك أو النظر في عدم إغضاب هذا، وأصبح الوزراء في معظمهم عرضة للمساءلة فيما يجب المساءلة عنه أو غير ذلك، كما أصبحت المساءلة هي لأسباب شخصية في كثير من الأوقات، تسعى لتحقيق أهداف قد تحقق مصالح البعض ولكنها بالتأكيد تضحي بمصالح المجموع، لقد أصبح الانقسام السياسي في الكويت يبتعد عن السياسة ليصب في التقسيمات الاجتماعية، وهذه اخطر ظاهرة تصيب السياسة وتصيب المجتمع، فالانتصار والتحزب هنا ليس للرأي بل للفئة الاجتماعية. ولم تكن الاستجابة الحكومية تجاه هذه الأزمات المتكررة استجابة مدروسة بقدر ما كانت استجابة لإطفاء الحرائق الصغيرة المشتعلة أو بذل الجهد الكثيف لتأجيل اشتعالها، أما القضايا التي طرحت والتي اهتم بها الناس، فقد وجدت لها حلولا وسطى، وهي حلول قد لا تستقيم معها إلى فترة طويلة، فكل قضية مثل قضية التأمينات أو قضية التعليم المشترك أو الجامعات الخاصة أو التقاعد، أو أراضي الدولة، معظمها وجدت حلولا مؤقتة، لم تأخذ بقدرة البلد على الوفاء بها، كما لم تأخذ من النقاش ما يكفي لإقناع الآخرين بخطأ موقفهم، وتحولت معظم أزمات السياسة في الكويت إلى أزمات شخصية، كأن يكون هذا الوزير أو ذاك هو سبب الأزمة بصرف النظر عن استحقاقات الوطن نفسه. هل مثل هذا الجو السياسي يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، عن طريق الخروج من تأزم للوقوع في أزمة إلى أن يصل إلى الأمر أن يصبح الوزراء غير آمنين على ما يقولوه بين جدران أربعة، كما أصبح العاملون في الإدارة الحكومية غير آمنين على وظائفهم، لان الولاء أصبح شخصيا ومباشرا وليس باتجاه العمل للوطن وما ينفع الناس. في مثل هذه الأجواء المحلية، التي تعصف بها أجواء إقليمية أوسع بالغة التعقيد، ومنذرة بالخطر منها التغيير المرتقب في الشمال من الكويت، وفي الوقت الذي تحمل وكالات الأنباء صورا للجنود و المعدات يوميا خارجة من المنطقة تقول للعالم اجمع أن ثمة مخاطر حرب على الأبواب، يحتمي بعضنا بالنظر إلى الأسهل من المشكلات ويبعد نظره عن الأكثر تفجرا. أحد سيناريوهات الحرب المطروحة تغيير جذري في العراق، يطلق ضمن ما يطلق استحقاقات مر عليها زمن طويل، ولا يجدي هنا الركون إلى تجارب سابقة، فالقادم هو زلزال يشبهه البعض بأنه سوف يخلف من النتائج أكثر مما خلفته الحرب العالمية الثانية في العالم، وهو زلزال بؤرته هذه المنطقة من العالم، التي أصبح التأزم فيها وكأنه الغذاء للجميع لا يطوى يوما إلا به. مسئولية تاريخية المطروح مع الزلزال القادم كلمة كبيرة وهي (الإصلاح) التي تعني بتفاصيلها قدرا من الشفافية الادارية، وقدرا كبيرا من حقوق الانسان، وقدرا اكبر من قبول التعددية، وإشراك جميع المواطنين، بما فيها المرأة في العمل العام، والانفتاح على الآخر، وضخ الموارد المتاحة في عروق تنمية حقيقية، لا فئوية ولا مصلحية، تنمية تفيد المواطن البسيط، وكل ذلك يتبعه أو يسايره تنقيح في المؤسسات التعليمية والثقافية، تتيح مساحة اكبر لقبول الآخر، وتحقيق المساواة القانونية بين الناس، فلا يمكن أن تبقى مثلا سياسات التعليم وهي مركزية في القادم من الأيام في مهب تجاذب وتنافس سياسي، كما لا يجوز أن تبقى بقية المؤسسات محط تنفيع سياسي قصير النظر ومعطل للإمكانيات. هذا السيناريو المطروح علينا جميعا في المنطقة بعد عشر سنوات أو تزيد من التحرير، وبعد أن أزف وقت إغلاق الملف في شمال البلاد، فلم يعد للدكتاتورية والقمعية أو الشمولية مكان تحت الشمس، وأصبحت التعددية هي القيمة المبشر بها على نطاق واسع، مثلها مثل الحريات العامة وإعلاء قيمة المواطنة. في مثل هذه الأجواء لا بد أن يتنادى العقلاء كما حدث في تاريخ الكويت من قبل، للحفاظ على الوطن ترابا وفكرة، والوطن بمواطنيه وقدرتهم على العطاء من دون منة أو ابتغاء مصالح ضيقة، سواء كانت شخصية أو سياسية. لعل أول ما ينبغي النظر إليه هو آلية العمل السياسي الكويتي، فقد آن الوقت أن يعاد النظر في كثير من مسلماتها، وينظر في نصوص الدستور الذي أكد راسموه الأوائل ضرورة النظر في مسيرته بعد خمس سنوات من التطبيق، والآن بعد كل هذه السنوات من الخبرة التي كان بعضها إخفاقا واضحا، جاز الحديث عن الموضوع بجدية يستحقها، وبمسئولية تاريخية يتوخاها أهل الرأي، وذلك من اجل تعزيز الحريات العامة، ومشاركة نصف المجتمع المعطل وتوسيع دور المواطن في العمل العام. كما وجب النظر في خطوات التنمية، فبدلا من الركون إلى الريعية في العمل التنموي، جاز أن ينظر في خطط حقيقية لتحويل المجتمع من ريعي إلى منتج، وان يتحمل الجميع مسئولياتهم. لقد تدهور العمل السياسي في الكويت حتى أصبح مأزوما كل يوم بسبب ندرة من يقول الرأي المجرد من الذرائع أو المصالح الضيقة، وقد آن الأوان بعد كل هذه الأزمات أن نقف للنظر من حولنا، وننادي على أهل الرأي، أن علينا جميعا مسئولية خفض درجة التوتر، الذي أصبح مرادفا للعمل السياسي في بلادنا، وان كان هناك قرارات صعبة يجب أن تتخذ في سبيل خفض ذلك التوتر فقد آن أوانها. ـ كاتب كويتي