الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 في لقاء تسجيلي مع أحد الأطباء النفسيين تناول موضوع «السلوكيات الإيجابية في التعامل مع الأطفال» اشار الطبيب النفسي الى دور التأديب في توجيه الطفل للكف عن السلوك السلبي واعتماد السلوك الإيجابي في تصرفاته وأقواله. اللافت في هذا الحوار القيّم ردة فعل مقدم البرنامج على كلام الضيف، فهو ما كاد يسمع كلمة تأديب حتى تداعت الى مخيلته صورة السوط او اليد وهي تهوي على جسد طفل او مراهق بدر منه ما يثير الغضب ويستدعي التأديب. ولم يكد الطبيب الضيف ينهي كلامه في هذا الجانب حتى بادره مقدم البرنامج قائلا: ولكن حينما اضرب ابني لكي أؤدبه أتساءل في نفسي عن الاشارات الدالة على ان الضرب قد ادى النتيجة المطلوبة. وهنا ادرك الطبيب ان محاوره لديه ضعف في تصور ماهيّة التأديب، وطرق ووسائل الارتقاء بفنون التربية لإيصال الطفل والمراهق الى مستوى من الالتزام السلوكي والاخلاقي والتكيف مع البيئة الاجتماعية بدرجة تتناسب مع طموحات الآباء والمربين. فجاء جوابه على النحو التالي: ومن قال لك ان التأديب يعني الضرب؟! ومن الذي يؤيد ممارسة العنف اللفظي او السلوكي اثناء تربية الأطفال؟! ان التأديب الذي ينادي به التربويون هو نوع من الرسائل المباشرة التي تؤكد وجود «الحزم التربوي» دون الحاجة الى انزال الضرب بالطفل الذي بدر منه نوع من الخطأ او التقصير. والحزم التربوي هو احدى الاستراتيجيات الفعالة التي تهدف الى اشعار الطفل بمتابعة الابوين وحرصهما على ان يراعي قواعد السلوك الاجتماعي والاخلاقي. فان بدر منه ما يسيء فان مجرد علم الطفل او المراهق بأن هناك من يحرص على ان يراه في المقدمة ومن يثق به وبقدرته على تلافي الاخطاء في المستقبل يكفي وحده للفت انتباه الطفل لما بدر منه من تقصير. وهنا لابد لنا ان نقف امام استعجال مقدم البرنامج في الربط بين كلمة «تأديب» وكلمة «ضرب» التي رآها انها الاداة الفعالة لتأديب الأطفال والمراهقين. فلماذا حدث هذا الربط السريع في ذهنه بين الأمرين؟ وكم هو عدد الآباء والامهات الذين يفكرون بالكيفية نفسها، ويؤمنون ان التأديب يعني الضرب؟ وقبل ان نستطرد مع افكارنا حول مسألتي الضرب والتأديب نستأذن كل قاريء وقارئة ان يعودوا بذاكرتهم الى الوراء ليستحضروا موقفا واحدا تعرضوا فيه للاعتداء الجسدي بالضرب او الاعتداء اللفظي بالاهانة والسخرية والتقليل من الشأن، ثم ليستحضروا المشاعر التي تولدت لديهم اثناء مرورهم بهذه التجربة أكانوا سعداء فيما نزل بهم حينها أم لا؟! أكانوا يرون ان هذا النوع من العنف الذي مارسه الآباء ضدهم كان هو الخيار الوحيد القادر على اقناعهم بجدوى تغيير سلوكهم السلبي، ام ان ثمة خيارات اخرى عجز الآباء عن الوصول اليها. وبغض النظر عن طبيعة الاجابة الشخصية التي سيجيبها كل قاريء وقارئة بعد ان يمرا بتجربة التذكر التي ندعو اليها فإن النقطة الحيوية الجديرة بالنظر هي التعرف على جوانب النجاح والفشل في تلك التجربة القديمة، فإذا كانت التجربة ناجحة فلاشك ان ثمة عاملاً مهماً كان متوفرا اثناء المرور بتلك التجربة هو الذي ادى الى نجاحها. هذا العامل الداخلي تعبر عنه الرسائل اللفظية والجسدية التي صاحبت هذا الفعل، والتي تعتبر المؤشر الحقيقي على الدافع الذي يقف وراءه. فان كانت الالفاظ المنطوقة، ولغة الجسد تؤكد وجود عاطفة ابوية هي التي ادت الى الضرب، واذا كان الضرب خفيفا غير مؤلم ولا يحمل معنى الانتقام او التشفي او تفريغ شحنة انفعال شديدة صاحبت احد الابوين وأراد تفريغها في ذلك الابن أو تلك البنت فلاشك ان الضرب الخفيف المصحوب بعشرات الرسائل القوية التي تؤكد صدق العاطفة، ورقة المشاعر، والخوف على الابناء ستجعل من ذلك العنف شيئا مقبولاً ومبرراً في تلك الحالة فقط. لكن الأمر المؤسف أن بعض الآباء والأمهات لا يملكون هذه النظرة الشاملة التي تجعل من استخدام الضرب سلوكاً استثنائياً يمارس في اضيق الحدود، وبعد ان يستنفدوا العشرات من الوسائل الإيجابية القادرة على اعادة الابن الى الصواب دون ان يتعرض لأي نوع من الايذاء البدني او النفسي. الأمر الذي يستدعي ان يراجع اولئك الآباء رصيدهم من المعرفة بطرق ووسائل التربية الفعالة. وأن يمارسوا نوعاً من النقد إزاء ذلك الرصيد التربوي الضعيف الأثر.