الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 مازال الجمال هاجساً يشغل الجميع ويسيطر عليه، لذا ارتأيت أن أقدم لقرائي اليوم خبر افتتاح صالون راق في شارع الضيافة يقدّم خدمات رائعة وبأسعار مغرية ويفتح أبوابه من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الثانية عشرة ليلاً والذي يجعله متميزاً عن غيره، كما يقوم بتشقير الشعر وتلوينه حسب الموضة الدارجة، وقصه وتزيينه والبدكير والمنكير وازالة الشعر الزائد من الجسم بأسعار مختلفة لسائر الجسد، بالاضافة إلى تنشيف الشعر واستشواره، كل ذلك بأسعار متناسبة وكل زبون... ولكن عفواً.. هذا الإعلان الذي أقدمه لا يشملكن يا نسائي العزيزات لأن كل ما ذكرته وارد في بروشور صغير يستطيع أي من قرائي الرجال الاطلاع عليه لحين ينتظر دوره في هذا الصالون الرجالي! للأسف الشديد ان هذا الصالون عكس لنا ان الناس في مجتمعنا يعتقدون بأن المدنيّة والحضارة تكمن في العبث بأشكالنا كرجال، وهو مقياس مسايرتنا لما استجد في العصر متناسين ما وجب علينا اللحاق به من تقدم علمي وفكري يقفز بنا خارج دائرة «الدول النامية» فنحن من خلال هذه الصالونات الرجالية التي تبرع في تقديم خدمات تجميلية تحاكي بها ما يقدم للنساء تدعو وتؤازر كثيراً من الظواهر التي يقف البعض منها محارباً لها وبقوة، فهي بصراحة تقول «يا رجال.. يا شباب.. ما العيب في أن تكونوا جنساً ثالثاً؟».. كالجنس الموجود في تايلاند وغيرها من الدول، فهذا ليس بالعيب! فمن هي تلك الأم وذلك الأب اللذين يقبلان على ابنهما ما سيقوم به من تشقير واستشوار لشعره ليبدو كالفتاة في مظهره.. وقليلاً قليلاً ما يلبث إلا ويتقمص نعومة الفتاة ورقّتها فيلبس مما تلبس أخته أو حتى أمه إن كان أكبر قليلاً! ومن هي المرأة التي تقبل أن ينافسها زوجها في نعومة جسده بعدما يقوم بازالة الشعر الزائد من جسده في ذلك الصالون الذي أشرت اليه والذي يحدد سعر كل منطقة على حدة، فربما رجل يحتاج لإزالة الشعر من صدره حتى لا يشين ذلك السلسال الذي يعلقه في رقبته، وآخر ربما يرغب في المزيد لازالة سائر الشعر من جسده. إنها أمور يشيب لها الرأس، وتفشّت في مجتمعاتنا دون أن نحسب للحياء حساباً، ودون احترام لديننا الذي نهى عن تشبه الرجال بالنساء والعكس، ودون ان نعير العادات والموروث الاجتماعي أية أهمية تجعلنا ننغمس في هذه الأمور دون تفكير، إذ اننا بتلك الصالونات التي باتت تتسابق في تقديم الأفضل وبأساليب تجاوزت بها ما تقوم به صالونات نسائية، فما لفت انتباهي في ذلك البروشور ايضاً ساعات العمل التي تتجاوز فيه، ساعات العمل في أي صالون نسائي، فلم وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وحينما نريد توجيه اللوم فإلى من؟ هل نوجهه إلى غرفة تجارة وصناعة دبي، التي تتيح لهؤلاء التجار فتح ما يروق لهم دون توجيه ودون فرض رقابة عليهم، أو نلقي اللّوم على بلدية دبي وشرطة دبي التي تكتفي في الشارع نفسه بالبحث عن السيارات التي لم تدفع أجرة الموقف لفرض الغرامة، والتي لم تهتم إلا بتحصيل المال؟ أم إننا نلقي اللوم على أولئك الأهالي الذين لا يبالون بتلك المظاهر التي يسمحون لأبنائهم بالتطبع بمثل هذه الأمور التي تنخر في رجولتهم دون أن يهتموا لذلك؟ أو الى الشباب الذين لا يبعدون أنفسهم من كونهم «إمعات» لا يملكون سوى الاقتداء بكل ما هو مطروح حولهم دون ان ينتقوا، متناسين تلك الصورة النقية التي كان عليها أجدادهم وآباؤهم والذين لن يرضوا غيرها لهم، وقد يعتقد أحد القراء إنني أحمّل هذه القضية أكبر من حجمها، ولكن من يتأمل معي في الأمور التي ستتابع من ورائها يستطيع أن يشعر بحجم المشكلة الكبير، حينها فقط سنستسيغ تواجد الفتيات في صالونات الرجال لحلق شعرهن أو اجراء عمليات تنبيت الشعر لتجعل لها شنباً أو حتى لحية، ولن نعاتب الخياطين ومصممي الماركات العالمية حينما يجعلون كل ما لديهم (نسائي ـ رجالي) لا نستطيع التمييز فيه ما بين لبس رجل وامرأة، كما اننا بعدها رويداً رويداً سنسمح لمستشفيات التجميل وعياداتها بأن تمنح الشباب السليكون لنفخ صدر أو تكبير ردف، وفي المقابل للفتاة بازالة الباقي. فيا بلدنا، يكفينا تلك التطبعات التي لا نرحم بها شبابنا والتي نسمح بها بطريق غير مباشر، فهذه مسئولية لا نخرج من كوننا مشتركين فيها ومساعدين على انتشارها، وإذا تركنا هذا الأمر دون ان نتخذ قانوناً اجرائياً بشأن هذه الممارسات التي تصدر من هذه الصالونات وغيره، فإننا حينها لن نملك أن نلوم شبابنا على تلك الهشاشة التي تشيع بينهم، وبالتالي سنورث مجتمعنا وهناً وصورة بعدت كثيراً عمّا كنا عليه في السابق لننسلخ من أنفسنا وجلودنا بصورة لم نعهدها، فالجميع ابتداء بالمؤسسات الحكومية وانتهاء بالفرد مسئول عن هذه المشكلة وننتظر أن يصدر قانون يعاقب فيه كل شاب مواطن يخرج بصورة لم نألفها وتتعارض مع قيمنا الاجتماعية والدينية كأصحاب المعاكسات، حينها فقط نكون قد أسسنا اللّبنة الأولى في المجتمع بما يرضي الله، ثم أنفسنا!