الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 هل توجد قوة عربية أو دولية على استعداد للتعهد بحماية الفلسطينيين حماية كاملة من البطش الاسرائيلي اليومي في حالة موافقة فصائل المقاومة الفلسطينية على تجميد نشاطها القتالي لمرحلة يتفق عليها ـ تطول او تقصر؟ هذا هو السؤال المفتاحي الذي ينبغي ان يطرح أولاً تجاه اي مسعى اقليمي أو دولي لوقف النشاط الفلسطيني المسلح. ولا ندري الى أي مدى جرت مناقشة هذا السؤال في سلسلة الاجتماعات التي جمعت الفصائل والمنظمات الفلسطينية بجميع ألوان طيفها في القاهرة مؤخراً.. وينتظر ان تستأنف خلال الاسبوع الجاري، ما هو معلوم حتى الآن انه لا اسرائيل الشارونية ولا أي قوة عربية أو اسلامية أو دولية أبدت استعدادا للتعهد بحماية الشعب الفلسطيني، مما ظل يتعرض له يومياً على مدى شهور وراء شهور من قتل عشوائي واعتقالات وحصار وتجويع واغتيالات فردية، ولذا فإنه اذا وافقت قيادات فصائل المقاومة الفلسطينية على وقف العمل المسلح بكل اشكاله بما في ذلك العمليات الاستشهادية فإن هذا التوقف سوف يكون من جانب واحد.. الجانب الفلسطيني. واذا لم تحسم هذه النقطة على اساس انتزاع تعهد من الجانب الاسرائيلي بوقف الحملات الدموية الوحشية بكل اشكالها ضد الفلسطينيين فإن اي اتفاق قد تقره الفصائل الفلسطينية على «هدنة» سوف يكون بلا أي معنى على الصعيد الامني.. فضلا عن الصعيد السياسي. ان المفهوم، بل والمطلوب حقا، هو ان يكون الهدف الاساسي من هذه الاجتماعات ان تتوصل فصائل المقاومة والمنظمات الفلسطينية الى استراتيجية نضالية اجماعية تتضمن كافة اشكال المقاومة ـ الاساليب المسلحة والاساليب غير المسلحة على حد سواء.. وان تتضمن هذه الاستراتيجية آلية عملية جماعية لتحدد بالتوافق متى يكون الاسلوب المسلح مفضلا على الاسلوب السلمي ومتى يكون الصحيح هو العكس اعتماداً على التقلبات الامنية والسياسية للقضية النضالية. مثل هذه الاستراتيجية يجب بالطبع ان تنبع من الحقيقة الثابتة بأن التحدي الاكبر الذي يواجه الشعب الفلسطيني هو احتلال اجنبي مسلح قابل للتحول الى احتلال استيطاني بدأ بالفعل، وبالتالي فإنه يكون مرفوضا تماماً استبعاد الكفاح المسلح من حيث المبدأ في مواجهة وضع كهذا.. لان نبذ العمل المسلح يعني في هذه الحالة استسلاما.. وسيكون بمثابة موافقة ضمنية بتسليم الارض الفلسطينية المحتلة نهائياً الى القوة الاحتلالية. ان المبدأ الاستراتيجي الاعظم يجب ان يكون من المستحيل دحر الاحتلال الاسرائيلي الاستيطاني بغير القوة، رغم ان تثبيت هذا المبدأ الاعظم يجب ألا يحول دون المرونة النضالية من حين لآخر حسب متطلبات الظروف الامنية والسياسية. اما اذا كان هناك من يرى ان ظرفاً ما يقتضي تطبيق هذه المرونة لمرحلة زمنية ما بوقف العمل المسلح فإنه يقع على عاتق هذا الطرف ان يكون بيده تعهد اسرائيلي حازم بأن اسرائيل سوف تتجاوب مع هذه المرونة بمثلها. مع ذلك لايزال الحذر تجاه النوايا الاسرائيلية ومعها النوايا الاميركية قائما على الدوام، فالولايات المتحدة تحتاج الى اطول تهدئة ممكنة للمشهد الفلسطيني ـ الاسرائيلي حتى تنفذ اجندتها الحربية ضد العراق وهي مطمئنة، وبالطبع فإنه في حالة تمكن الولايات المتحدة من الحاق هزيمة ساحقة بالعراق ـ لا قدر الله ـ فإن هذا سيكون اشارة لاسرائيل، متفقا عليها سلفا مع واشنطن، لانهاء الهدنة واستئناف الحملات الدموية على الشعب الفلسطيني بصورة اشد وحشية وأوسع نطاقاً وأطول امداً. ترتكب الفصائل الفلسطينية اذن خطأ شنيعاً اذا وافقت على وقف النشاط المسلح ولو لفترة مؤقتة، وخطأ اشنع اذا اقرت وقف العمل المسلح نهائيا. ومن حسن الطالع انه لم يحدث شيء من هذا حتى الآن.. لكن الاجتماعات سوف تستأنف كما اشرنا آنفاً. ومما ثبت حتى الآن ان منظمتي «حماس» و«الجهاد الاسلامي» اعلنتا رفضهما لوقف الكفاح المسلح بينما يقول فصيل «كتائب شهداء الاقصى» انه لايزال يدرس الامر. ان من المتاح لمنظمات الثورة الفلسطينية ان تستوحي سوابق التاريخ في التحرير، ومن السوابق القريبة تجربة الثورة الفيتنامية في القرن الماضي وملخص هذه التجربة العمل على صعيدين متوازيين ـ قتالي ودبلوماسي ـ معا تحت قيادة عليا موحدة تجمع بين القادة العسكريين والقادة السياسيين، فبينما كان العمل المسلح يتواصل في الميدان على الارض كان هناك فريق من السياسيين يتفاوضون في الوقت نفسه على الصعيد الدبلوماسي مع ممثلي العدو الاميركي. وبذلك كان العمل المسلح يخدم التفاوض الدبلوماسي.. فكلما تعنت المفاوضون الاميركيون كلما تصاعد العمل القتالي الفيتنامي فيتقدم الطرف الاميركي لاحقا بتنازلات. صفوة القول اذن هي ان الوحدة الوطنية هي السلاح الاساسي الاول الذي يضفي المضاء والقوة على الاسلحة الاخرى.