الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 ربما كان الاصطفاف خلف أكثر من اطار تنظيمي أو حزبي وبرنامج سياسي، من أبرز مظاهر الحياة السياسية الفلسطينية قبل النكبة وبعدها. المجتمع الفلسطيني عرف قوى الأكثرية والأقلية، الأغلبية والمعارضة.. وعرف القوى الحزبية وتكوين التحالفات والأطر الجبهوية والانشقاقات بين القوى المتحالفة وانقسام كل قوة على نفسها، إلى جانب مظاهر الحوار والتسامح، عانى هذا المجتمع في أحايين قليلة من الاقتتال الداخلي لفض التنازع حول التصورات السياسية أو بهدف الاستحواذ على النفوذ وعملية صناعة القرار. في مطلع القرن العشرين انخرط الفلسطينيون في الأحزاب العربية المطالبة باللامركزية أو بالاستقلال في سياق النزاع العثماني العربي. وتوزع نشاطهم على مساحة واسعة من الحركات السياسية والفكرية قبل أن تأخذ الحياة السياسية الفسطينية مسارها القطري (الوطني) مع بداية الانتداب البريطاني عام 1922. ومنذ أواسط العشرينيات بدأت ملامح التعددية الفلسطينية تتبلور في الحدود القطرية حيث برز تنافس سياسي اختلطت فيه الطبائع السياسية بالمضامين القبلية بالنزاعات الزعامية بين معسكري الحسيني وآل النشاشيبي. وفي هذا الاطار اكتسب آل الحسيني وزعيمهم المفتي «محمد أمين الحسيني» مكانة الأكثرية أو السلطة ـ إن شاء البعض ـ بالاستناد الى رئاسة المجلس الاسلامي الأعلى صاحب السطوة الدينية والقضائية والمهيمن على موارد واسعة، ثم بالاستناد الى تأسيسهم لحزب سياسي هو الحزب العربي الفلسطيني (1935) والذي تبنى شعارات الحركة الوطنية وأهدافها وصار يشبه أحزاب الأغلبية فيما عرف لاحقا بدول العالم الثالث. وفي الوقت ذاته، استحق النشاشيبيون لقب المعارضة، كونهم عبروا عن طموحات مغايرة نسبيا، أقل من تلك التي حملها الحسينيون ومالوا الى ماوصف بروح المهادنة والخطاب الأقل شعبوية. وقد أضحى ذلك اللقب حقيقيا بعدما أنشأوا عام 1934 حزب الدفاع الوطني. أيضا قبل النكبة، نشأت أحزاب فلسطينية أخرى أقل شهرة. ولم تكن تلك التعددية تعبيرا عن تباينات جوهرية حول كيفية إدارة السياسة الداخلية أو اثراء الديمقراطية وتعزيز الحريات العامة، إنما مارست العوامل العائلية والشخصية واختلاف أنماط التعامل مع الخطر الاستعماري (البريطاني الصهيوني المزدوج) دورا أساسيا في القاهرة.. وأثناء الثورة الكبرى (1936 ـ 1939) التأمت تلك الاحزاب في اطار جبهوي عريض، عرف باللجنة العربية العليا. ولأن تلك التعددية لم تكن مظهرا أو تجليا لثقافة سياسية توقن بالعمل الديمقراطي وقيمه، فإنها لم ترتق بالأطر التقليدية ولا هي دفعت بالعملية السياسية الى رحاب أكثر حداثة، لقد كانت الأحزاب مثلا مجرد بنى فضفاضة لتجمع الأنصار والموالين خلف قيادات تقليدية، قبلية المنبع والأفق، فيما يعرف بالموالاة والزبائنية بين الزعيم والأتباع. عموما كانت الروابط الشخصية المستند الى القرابة العائلية أو الاقليمية الجهوية الضيقة، أقوى بكثير من العقد السياسي بين المتحزبين، ولذا ظهر من يمقت الحزبية والأحزاب ويدعو للإندماجية السياسية تحت عنوان «وحدة الكلمة» ويبدو أن مفهوم «الوحدة الوطنية» قد تبلور في المراحل اللاحقة. حين باتت الوطنية الفلسطينية اكثر نضجا ووضوحا. غداة 1948 عاد الفلسطينيون سيرتهم قبل الحرب العالمية الأولى. فتوزعوا على الأطر الحزبية العربية (بعث، قوميون عرب، حركات اسلامية)، وتبوأ بعضهم مراكز مرموقة فيها، ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (1964) بدأت مرحلة جديدة من العمل السياسي التعثري (الوطني) أخذة شكل الجبهة العريضة، الرافضة حتى عام 1968 للأحزاب والحزبية، ثم الداعمة لها منذ ذلك العام الى وقتنا الحاضر. والواقع أن المنظمة شهدت بروز مفهومي الأكثرية والأقلية، السلطة والمعارضة منذ يومها الأول. وقد نمت روح المعارضة داخلها اما من القوى التي تم تجاهلها عند تكوين المنظمة، وإما من الأطر التي انخرطت فيها بدون أن تستمرئ حالة الإدماج القسري تحت شعارات الوحدة الوطنية والحشد وجمع الصف، التي غطت مطولا على غياب الممارسة الديمقراطية، لاسيما من جانب قيادتها العليا، ثم من جانب اتباع هذه القيادة ومحاسبيها. داخل المنظمة، غالبا ما كانت الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين بمثابة المعارضة. فيما استقرت الأغلبية لحركة فتح. وبصعود التيارات الاسلامية، خارج اطار المنظمة الجبهوي، واكتسابها زخما نضاليا اقتطع من مساحة شعبية الأطر المنضوية تحت لواء المنظمة، صار مفهوم المعارضة أوسع من الاشارة الى الجبهتين المذكورتين.. حتى أوشك أن يكون حكرا على هذه التيارات، ولاسيما حركة حماس والجهاد، على الرغم من بقاء الشعبية والديمقراطية أقرب الى المعارضة وإن بمضمون أكثر علمانية. وعلى امتداد عمرها، غالبا ماعولجت الخلافات بين القوى السياسية الفلسطينية داخل المنظمة، بالخروج المؤقت على المنظمة ذاتها أو بالانقسامات الداخلية في بنية القوى السياسية الواحدة اذا ماتعلق الخلاف باحدى هذه القوى. وهكذا استمرت عقلية الإنشطار في المنظمة عموما وداخل الفصائل بالمعنى الأضيق.. وكان نشوء التحالفات وانفراطها ملمحا سائدا للمسيرة السياسية الفلسطينية خلال الأربعين الماضية. غير أن قوة سياسية فلسطينية لم تجهر يوما باعتماد العنف وتصفية القوى الأخرى سبيلا لحل الخلافات. وكان ينظر للاحتكاكات المسلحة في هذا السياق على أنها نتاج تصرفات من عناصر منفلتة، لا يعتد بها وبأسلوبها بين يدي القيادات العليا. ولكن الى أي شيء تعزى هذه الظاهرة.. ظاهرة انتشار القوى السياسية والعسكرية في ساحة تتطلب «الوحدة» وجمع الكلمة في مواجهة عدو استئصالي يبغى رؤوسها جميعا، وفي اطار صراع ضار شديد التعقيد كالذي يخوضه الشعب الفلسطيني؟. قبل النكبة: كان التشظي معلما متأصلا على المركب الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي تم توارثه عن المسار التاريخي الفلسطيني، حيث القبلية، وداخليا والاستتباع لقوى مركزية أشمل، عربية اسلامية كانت أم استعمارية خارجيا. وفي مرحلة اطلال الحظر الاستعماري الصهيوني في النصف الأول من القرن الماضي، أضيف الى ذلك الموروث التقليدي عنصر التباين حول إدارة الصراع الذي ترتب على ذلك الحظر. فلا يمكن عزل اختلاف الرؤى السياسية وعن أسباب التدافع الفلسطيني الداخلي حتى في تلك المرحلة. أما بعد النكبة، فقد حرم الفلسطينيون من مظاهر السيادة على الأرض، والموارد الذاتية. وخضعوا لسلطات ونظم متعددة الأهواء والخيارات السياسية، كما احتكوا بأنماط انتاج مختلفة. ونتج عن ذلك أن أتت التعددية السياسية الفلسطينية من مدخلين، مدخل قام على رغبات معظم الحكومات العربية التي انشأت أجهزتها منظمات وقوى بأسماء فلسطينية ومدخل وجود تباينات فلسطينية داخلية أصيلة بين الرؤى والتوجهات.. ومع قيام السلطة الفلسطينية منذ عام 1994 داخل فلسطين، كان من المأمول أن تبتعد الساحة الفلسطينية عن مداخلات ونفوذ الأطراف الخارجية، العربية والدولية بمسافة تسمح باستقلالية أكثر، وصولا الى انتفاء المدخل الخارجي عموما في التأثير على التفاعلات بين القوى السياسية.. لكن الذي حدث أن طبيعة التسوية التي أدت الى نشوء السلطة من ناحية، واستمرار الاعتمادية الفلسطينية على السياقين العربي والدولي في أبرام التسوية من ناحية ثانية، واتساع مساحة الخلاف بشأن فروض التسوية واستحقاقاتها من ناحية ثالثة.. أحبطت هذا الاحتمال. بل ولعل هذه الأسباب أدت الى تغلغل أطراف أخرى على خطوط التفاعل الفلسطينية بشكل مباشر أو غير مباشر، كاسرائيل والولايات المتحدة ومايسمى بالدول المانحة.. والذي قاد بالتداعي الى تعقيد العملية السياسية الفلسطينية لكي تتحقق الوحدة الوطنية المنشودة. فللحوار والقطيعة في المجال السياسي الفلسطيني معان وشروط لا تتصل جميعها بالقوى الفلسطينية البحتة.. هناك أخرون معنيون بسيرورة الحوار والقطيعة. وتلك خاصية تبدو شبه طبيعية ومفروضة بحكم طبيعة القضية الفلسطينية التي ينغمس في تضاعيفها أطراف قد يعز حصرهم بسهولة. من آيات هذه السمة الآن مايقال عن انشغال بعض الأطراف الخارجية وتشجيعها للحوار الدائر بين بعض القوى الفلسطينية في القاهرة. ولأن توافق هذه الأطراف على أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية ووسائلها يبدو أمرا مستحيلا، فإن نجاح المتحاورين في بلوغ مثل هذا التوافق قضية تحف بها الشكوك. وأفضل مايفعله هؤلاء ان يحاولوا جهدهم تهميش التأثيرات الخارجية، عملا بحكمة أن أهل مكة أدرى بشعابها وأنهم بالتأكيد أدرى بشئونهم، وان تعدديتهم تظل صحية وصحيحة طالما لم تتحول إلى حالة من التشظي والشرذمة. ـ كاتب فلسطيني