الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 في ظل أجواء الحرب التي توتر بها الولايات المتحدة العالم، والعالم الاسلامي على وجه الخصوص، هناك حرب خفية اخرى حققت فيها الولايات المتحدة نجاحات كبيرة حتى الان، تتلخص في قدرتها على الهيمنة على لقمة الخبز التي يأكلها الناس في الدول النامية، والفقيرة عبر السيطرة على صناعة الغذاء، لاسيما القمح والذرة. ووضع هذه الدول التي في اغلبها دول زراعية تحت الهيمنة الاميركية يعتبر اخطر من اي حرب اخرى، حيث ان هذا ادى الى زيادة معدلات البطالة والفقر في معظم دول العالم، وقد اصدرت منظمة الاغذية والزراعة تقريرا في مارس الماضي 2002 قالت فيه: «ان عدد الذين يعيشون في فقر مدقع في العالم يصل الى مليار ومئة مليون نسمة، اي خمس سكان العالم او اكثر بقليل، وقد اشارت صحيفة «الغارديان» البريطانية في تقرير نشرته في اول نوفمبر الماضي 2002 انه في الوقت الذي يعاني فيه خمس سكان العالم من الفقر المدقع ولايزيد معدل الدخل بالنسبة لهم على دولار واحد في اليوم، فإن البقرة الاوروبية تتلقى دعما يعادل دولارين وعشرين سنتا كل يوم». ولعل هذا يعكس حجم البؤس الذي يعاني منه خمس سكان العالم، فبعد خمسة عشر عاما من العولمة والمناداة بالاسواق المفتوحة نجد ان الولايات المتحدة سيطرت على زراعة القمح والذرة حتى تخضع العالم لارادتها، مما ادى الى انخفاض معدلات النمو التي لم تزد على واحد ونصف في المئة في معظم دول اميركا الجنوبية، اما افريقيا فإنها وسكانها في وضع اكثر سوءاً وبؤسا حيث انها تخضع لعملية تجويع حقيقية في الوقت الذي تعتبر فيه سلة غذاء العالم ومنجم ثرواته. وقد ذكر جيرمي هوبس المدير التنفيذي لمنظمة اوكسفام الدولية الخيرية في مؤتمر «الغذاء والزراعة الدولي» الذي عقد في لندن في نوفمبر الماضي انه اذا استطاعت افريقيا زيادة حصتها من الصادرات بمقدار واحد في المئة فقط فإنها قادرة على توليد 70 مليار دولار سنويا اي ما يعادل خمسة اضعاف حجم المساعدات واعفاءات الديون التي تحصل عليها القارة مجتمعة» وهذا يعكس حقيقة ما تتعرض له افريقيا وحرص منظومة الدول الثلاثين الغنية التي تشكل منظومة «التعاون الدولي والتنمية» على ان تبقى في دائرة الفقر المدقع، حيث تقوم هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة بدعم المزارعين في بلادهم بمبلغ ثلاثمئة مليار دولار تدفع الولايات المتحدة وحدها ما يقرب من ستين مليارا من اموال دافعي الضرائب، وذلك حتى يبقى انتاج القمح والذرة والحبوب الاخرى تحت السيطرة، وهذا ما يجعل القمح الاميركي يباع في الاسواق العالمية بأسعار تقل عن سعر تكلفة انتاجه بحوالي اربعين في المئة وربما اكثر، مما يدفع دولا زراعية مثل مصر الى ان تكون اكبر مستورد للقمح الاميركي. وقد أدت هذه السياسات الى زيادة نسبة البطالة والفقر وهجر الزراعة في هذه الدول وافريقيا خير مثال على ذلك، والاخطر هو ان المزراعين يقومون بالهجرة من القرى الى المدن ليشكلوا نسبة عالية من البطالة والقاهرة خير مثال على ذلك، حيث ان هجرة ابناء الريف الى القاهرة والمدن بشكل عام ادى الى تردي مستوى الزراعة في القرى وزيادة نسبة البطالة، واصبحت مصر مثل دول كثيرة تترقب سفن القمح التي تقف خارج مياهها الاقليمية لتدخل الواحدة بعد الاخرى، لتصبح لقمة الخبز مرهونة برضا اميركا او غضبها. ورغم الاغراءات التي قدمتها الولايات المتحدة لدول كثيرة حتى تورد اليها القمح وبأسعار ارخص من اسعار انتاجها له، الا ان هذه الدول رفضت العرض الاميركي لانها تعتبر القمح سلعة استراتيجية، ولان مصر هي اكبر الدول العربية، وغيرها ليس احسن حالا منها، الا انها على سبيل المثال تستورد القمح والذرة من الولايات المتحدة بما يعادل اربعة مليارات ونصف المليار جنيه سنويا، وتتكبد مصر ام الدنيا وبلد النيل شهريا 35 مليون جنيه لاستيراد مواد غذائية بينها «الايس كريم».وهذا يجعلنا نفهم ابعاد ما يسمى بلعبة المساعدات الاميركية، فالذي تمنحه اميركا بيمينها تأخذ اضعافه بشمالها وتقوم بعملية تدمير وتعطيل منظم لمقدراتنا. فمخطط الهيمنة على خبزنا من اخطر المخططات، لان هناك حقيقة مهمة تدركها اميركا ويدركها العالم كله هي ان من لا يملك لقمة خبزه.. لا يملك قراره. ـ كاتب واعلامي مصري