الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 رجوعاً الى موضوع اثر التفكير في تحديد طبيعة الأهداف نقف اليوم أمام زاوية أخرى من زوايا البحث لنرى اثر جودة الأفكار في سقف الأهداف، وبالتالي في الارتقاء بالاداء الى المستوى الأفضل. فباسقاط هذه القاعدة على نوعين من الامهات، النوع الأول منهن وضعن سقفا محدودا لانجازاتهن التربوية في محيط الاسرة، والنوع الثاني ارتفع سقف الطموح لديهن، ورأين ان النجاح الحقيقي لدورهن التربوي يتمثل في زرع بذرة الطموح والتميز بالاداء في نفسية الابناء والبنات وتعهد تلك البذرة الى ان تنضج من اكمامها وتنشر شذاها في كل مكان. تظهر حالة من الاسترخاء الذهني المزمن الذي يصاحبه ضعف في الاداء والفاعلية في مستوى المهمات التي تسند الى ابناء الاسرة الأولى في مقابل الحيوية والتدفق الذي يصاحب اداء اغلب افراد عائلات النوع الثاني من الأسر، والسبب في هذا التباين في المناخ الخاص بكل اسرة هو نوعية الأهداف التربوية التي تبنتها كل أم، وعملت طيلة سنوات الطفولة والمراهقة ان تراها متجسدة في سلوك الابناء وفي نوعية النتائج التي يحققونها. فالام التي لا تريد لأبنائها إلا الستر، ولا ترغب لهم الا العيش الآمن المطمئن، ولا تراهم أهلاً لانجاز الاعمال الكبرى لانها تخشى عليهم من تحمل ضريبة تلك الأعمال، لن يحقق ابناؤها الكثير لانها لم تعطهم الا القليل. هذه الأم تصبح وتمسي وليس لها من هدف سوى أن يكبر هؤلاء الأبناء، وينالوا الشهادة ويعيشوا بقربها مطمئنين، لا يحملون من الاماني إلا ان تصرف عنهم المسئوليات الكبرى التي آمنوا انها فوق طاقاتهم، وان مجرد الاقتراب منها يعني الألم والمعاناة التي لم يتربوا على احتمالها وعلى القبول بها كنوع من التحدي لقدراتهم وطاقاتهم الخاصة. وبالقطع ان هذه الأم وبمثل هذا النوع من الأداء التربوي لن تضيف الى الحياة الا اشخاصا محدودي التأثير، وقليلي الانتاج، وهم في كثير من الاحيان عبء على امتهم أكثر من كونهم قادرين على النهوض بواقع تلك الامة!! وكيف يمكن لأبناء تربوا عشرين عاما على ان يكونوا متفرجين في الحياة، لايبالون بالأحداث الجسام التي تمر بأمتهم، ولم يناقش معهم احد امكانية ان يساهموا في التغيير الايجابي في الحياة العامة، وأن يتحولوا بين يوم وليلة من موقف السكون التام الى موقف الحركة، والفعل والتأثير، هذا محال، والتجربة تشهد ان الثمرة اليانعة حتى تكون في متناول اليد تحتاج الى سنوات من الرعاية الخاصة، والشواهد العلمية تؤكد صدق ما نذهب اليه. فالقاعدة الادارية تقول: انت لن تنجز أكثر مما خططت له، فخطط على المدى الأكبر ليكون انجازك كبيرا. والقاعدة النفسية تقول: الناس يأخذونك على حسب تقييمك لنفسك. كما تقول القاعدة التربوية: حتى تصنع العظماء ربهم منذ الصغر على انهم خلقوا للعظائم. والقاعدة الاجتماعية تقول: فاقد الشيء لا يعطيه. كما تؤكد القواعد العملية في الحياة ان الاعمال الكبرى لا يقدر على الاتيان بها الا من يرتفع سقف توقعاتهم لأنفسهم. ومحصلة ذلك كله ان التميز التربوي لا تصنعه أهداف تربوية محدودة. ولا يضعه نظام تربوي يقوم على مجرد مطالبة الابناء بالاكتفاء بالانجازات البسيطة. والمؤلم حقا ان هذه النمطية من التفكير التربوي سائدة اليوم وبشكل لافت في داخل البيوت العربية والمسلمة، والسبب فقر البيئة المعرفية، وفقر الموارد العلمية الذاتية، وانتشار النمط المعيشي السلبي الذي يبحث عن المتعة في اللهو والتسلية، ويرفض مجرد التفكير بأن ثمة متعة في قبول التحديات والأعمال الكبرى. فالسعادة في اغلب هذه الانماط المعيشية السائدة هي في الحصول على دخول مرتفعة مقابل القليل من الجهد. الأمر الذي يكرس فكرة الرغبة في الهروب من المسئوليات ويفتح المجال واسعا امام المزيد من الهاربين عن تحمل الادوار النوعية في الحياة. ولك اخي القاريء، واختي القارئة ان تتصورا حال تلك المجتمعات التي يهرب افرادها الى الصفوف الخلفية، ويتركون الصفوف الأولى لغيرهم. فاذا ما مرت السنوات، وبقيت الصفوف الأولى فارغة من الاشخاص المتميزين فلا شك ان مؤشر التنمية في مختلف المجالات سيعاني من انخفاض حاد. وحينها علينا ان نتذكر ان صناعة العظماء هي مسئولية الاسر قبل ان تكون مسئولية مجتمع.